يعود ملف اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب، وعلى رأسه نحو 400 كيلوغرام، ليتصدر مشهد الخلافات بين واشنطن وطهران، باعتباره واحدا من المحاور الأكثر تعقيدًا في مسار أي تسوية نووية محتملة، لا سيما في ظل محاولات إجراء جولة مفاوضات جديدة لإحياء المسار الدبلوماسي المتعثر.

وتتزايد حساسية هذا الملف مع استمرار التباينات بين الجانبين بشأن كيفية التعامل مع المخزون الحالي، بين مطالبات أميركية ودولية تقضي بتفكيكه ونقله إلى خارج إيران، وأخرى إيرانية تركز على الإبقاء عليه تحت رقابة مشددة، في الوقت الذي نقلت رويترز عن مصدر دبلوماسي أن قائد الجيش الباكستاني عاصم منير أجرى محادثات في طهران وحقق انفراجة في "القضايا الشائكة".

واعتبر محللون أميركيون، في حديثهم لموقع "سكاي نيوز عربية"، أن أي تسوية نووية محتملة بين واشنطن وطهران لن تكون ممكنة دون حسم ملف اليورانيوم عالي التخصيب، بما في ذلك الكميات التي تُقدر بنحو 400 كيلوغرام، مرجحين أن أي اتفاق جاد سيتطلب تشديدًا غير مسبوق في إجراءات التفتيش التي تجريها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وربما نقل جزء من هذا المخزون إلى خارج إيران تحت إشراف دولي.

ماذا يحدث؟

رغم فشل الجولة السابقة من المحادثات، أعربت باكستان عن تفاؤل بـ"اختراق كبير" محتمل قريبًا، خاصة فيما يتعلق بالبرنامج النووي، وسط استمرار الدبلوماسية المكوكية، حيث يتوقع مسؤولون باكستانيون تقدماً في مدة تجميد التخصيب ومعالجة المخزون الإيراني من اليورانيوم عالي التخصيب.

وكانت الحرب الأخيرة، وقبلها "حرب الـ12 يومًا"، شهدت استهداف منشآت نووية إيرانية رئيسية في "نطنز وفوردو وأصفهان"، حيث أدت هذه الضربات إلى إلحاق أضرار جسيمة بالمنشآت، لكنها لم تدمر البرنامج بالكامل.

أخبار ذات صلة

شبح اتفاق 2015 .. فهل تكرر واشنطن الخطأ مع طهران؟
مصادر: واشنطن وطهران تستأنفان محادثات السلام هذا الأسبوع

 وقالت تقارير لاحقة إن هناك خلافات أكثر تحديدًا، إذ طالبت الولايات المتحدة بأن توافق إيران على وقف مؤقت لمدة 20 عامًا لجميع أنشطة التخصيب، وهي العملية التي يتم فيها إعداد اليورانيوم للتفاعلات النووية، سواء لأغراض مدنية أو عسكرية، بحسب "أكسيوس"، بينما قدمت إيران عرضًا مضادًا بوقف لمدة 5 سنوات فقط.

بدوره، شدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب على أن إيران وافقت على "كل شيء تقريبا" في إطار المفاوضات الجارية بين الجانبين، مضيفًا: "لقد وافقوا على إعادة الغبار النووي إلينا"، مستخدما هذا التعبير للإشارة إلى مخزون اليورانيوم المخصّب الذي تقول الولايات المتحدة إنه يمكن استخدامه في تصنيع أسلحة نووية.

ومع مرور أكثر من نصف فترة وقف إطلاق النار التي تستمر أسبوعين، قال مسؤول إيراني لوكالة "رويترز" إن طهران وافقت على تخفيف اليورانيوم عالي التخصيب تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية والولايات المتحدة.

وبعد انسحاب ترامب فعليًا من الاتفاق النووي، سرعت إيران من وتيرة التخصيب، وبحلول الوقت الذي شنت فيه إسرائيل والولايات المتحدة هجمات على إيران في يونيو، كانت طهران تمتلك 440 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، أي أقل بقليل من نسبة 90% اللازمة للاستخدام العسكري، وهي كمية تكفي لصناعة عشر قنابل.

وسبق أن كشف المتحدث باسم الكرملين أن الولايات المتحدة رفضت مقترحًا قدمته روسيا يقضي بنقل كامل مخزون إيران من اليورانيوم المخصب خارج البلاد، في إطار مسعى للمساعدة في حل الصراع في الشرق الأوسط.

لا تسوية بدون "اليورانيوم"

وقال المسؤول السابق في البنتاغون، والزميل البارز في معهد "أميركان إنتربرايز"، مايكل روبين، في تصريحات لـ"سكاي نيوز عربية"، إنه "لا يمكن أن تكون هناك تسوية نووية دون وضوح بشأن نحو 400 كيلوغرام مفقودة من اليورانيوم عالي التخصيب لدى إيران"، مشددًا على أن "هذا يعني ضرورة إجراء عمليات تفتيش من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وعلى الأرجح نقل هذا اليورانيوم المخصب خارج البلاد".

وأشار روبين، الذي سبق أن عمل مستشارًا لوزير الدفاع الأميركي لشؤون إيران، إلى أن "أكبر اعتراض على الاتفاق النووي لعام 2015 كان أنه ترك لإيران قدرة تخصيب صناعية واسعة النطاق، مع وجود بنود لانتهاء العقوبات مع الوقت، وإذا كرر ترامب هذا النموذج، فسيُتهم بأنه "نسخة ثانية من أوباما"، وبالتالي سيكون هناك ضغط سياسي للحصول على اتفاق أكثر صرامة".

وعن الخطوط الحمراء للإدارة الأميركية في أي اتفاق محتمل، أوضح أنها تشمل "نقل اليورانيوم المخصب الإيراني إلى الخارج، وتفكيك المنشآت النووية تحت الأرض".

جولة جديدة من المفاوضات بين طهران وواشنطن

 وبشأن الدول التي قد تستقبل اليورانيوم الإيراني، لفت روبين إلى أن "هذا الأمر لن يكون مشكلة كبيرة، إذ يمكن أن تكون الوجهات المحتملة اليابان أو الهند أو فرنسا، هناك العديد من الخيارات التي قد تكون مقبولة لكل من واشنطن وطهران".

ومع ذلك، أكد المسؤول السابق في البنتاغون أن "حرية الملاحة" ستكون على الأرجح غير قابلة للتفاوض، بغض النظر عن تلميحات ترامب بشأن إمكانية تقديم تنازلات، وذلك بسبب الأهمية الكبرى للسابقة التي قد يخلقها أي تراجع في هذا المبدأ على مناطق أخرى.

وعن دخول البرنامج الصاروخي والنفوذ الإقليمي في مسار التفاوض، أشار روبين إلى أن "الاتفاق النووي أكثر قابلية للتطبيق، إذ قد يفضل الدبلوماسيون حصر النقاش في الملفات الأسهل، لكن إذا لم تتم معالجة القضايا الحقيقية بشكل مباشر، فسيكون ذلك مجرد إعداد لجولة جديدة من الصراع في المستقبل".

مخاطر إيرانية

واعتبر المسؤول السابق بوزارة الخارجية الأميركية لنزع السلاح النووي مارك فيتزباتريك أن "الأضرار التي لحقت بالمنشآت النووية في نطنز وفوردو وأصفهان ستمنع إيران من إعادة بناء برنامج تخصيب صناعي واسع لعدة سنوات، لكنها لا تزال تملك القدرة على إنتاج عدد محدود من الأسلحة النووية".

وأوضح فيتزباتريك لصحيفة "ذا تايمز" أنه "إذا تمكنت إيران من استخراج حاويات اليورانيوم عالي التخصيب، فقد تتمكن من إنتاج سلاح نووي خلال 6 أشهر تقريبًا، لكن تصغيره ليتناسب مع صاروخ باليستي سيستغرق وقتًا أطول، رغم أن قنبلة كبيرة يمكن إيصالها بطائرة أو سفينة".

النووي الإيراني يعقد مفاوضات إسلام أباد

 كيف تتعامل واشنطن مع نووي إيران؟

وفق الخبيرة الأميركية المختصة في الشؤون الأمنية والاستراتيجية إيرينا تسوكرمان، فإن التسوية الأكثر احتمالًا للظهور هي "اتفاق مؤقت مُجزأ ومتدرج بشكل كبير، وليس صفقة كبرى تُنهي الملف النووي دفعة واحدة".

وبيّنت تسوكرمان، في تصريح لموقع "سكاي نيوز عربية"، أن "الولايات المتحدة تحاول دفع إيران بعيدًا عن العتبة النووية لفترة طويلة جدًا، بينما تحاول إيران الحفاظ على الجوهر القانوني والسياسي والتقني لبرنامجها النووي، وهذا الفارق يمس جوهر كيفية تعريف كل طرف لمفهوم البقاء، حيث تريد واشنطن وضع سقف دائم يُفرغ البرنامج من معناه الاستراتيجي، بينما تريد طهران صيغة تخفف الضغط دون أن تبدو كاستسلام استراتيجي".

وفي تقدير الخبيرة الأميركية المختصة في الشؤون الاستراتيجية، فإن المرحلة الأولى ستركز على الأرجح على تجميد جديد أو مُمدد، وقد تقبل إيران قيودًا مؤقتة على مستوى التخصيب، وربما بعض جوانب توسع أجهزة الطرد المركزي، وستسعى واشنطن إلى ضوابط تقنية كافية لتعلن أن خطر الوصول إلى القدرة النووية السريعة قد تراجع بشكل ملموس.

أما المرحلة الثانية فستدور على الأرجح حول عاملي الزمن والتحقق، فالولايات المتحدة تريد مددًا طويلة لأنها خلصت إلى أن المدد القصيرة لا تحل المشكلة، بل تؤجلها فقط، كما ذكرت تسوكرمان.

واعتبرت أن "مسألة المخزون النووي ستكون على الأرجح واحدة من أصعب القضايا التقنية على الطاولة، فاليورانيوم الإيراني عالي التخصيب لا يمكن أن يبقى دون مساس إذا أرادت واشنطن أن تقول إن الاتفاق يعزز الأمن بشكل حقيقي".

وشددت على أن "أي اتفاق جاد طويل الأمد ينبغي أن يتناول الصواريخ والنفوذ الإقليمي، لأن الملف النووي لا يوجد في عزلة، فالموقف النووي الإيراني يستمد جزءًا كبيرًا من معناه الاستراتيجي من البنية الأوسع المحيطة به، ولا يمكن التعامل مع الصواريخ كمسألة ثانوية؛ فهي بالنسبة لإيران إحدى أهم وسائل تعويض اختلال التوازن العسكري".

وأكدت تسوكرمان أن "أي اتفاق يُحصر دائمًا في الملف النووي سيكون غير كافٍ استراتيجيًا، والطريق القابل للتطبيق يقوم على الاعتراف بأن الملف النووي هو البوابة الأولى، وليس الطريق كله".