في خضم التصعيد المتواصل حول مضيق هرمز، وبينما تسيطر الإدارة الأميركية على قواعد اللعبة البحرية، تختار أوروبا مسارا موازيا بعيدا عن المواجهة وعن الانصياع معاً.

وهو ما رصده الأكاديمي والباحث السياسي بيير لوي ريمون في تصريحاته لسكاي نيوز عربية، حيث حلل جوهر المقاربة الأوروبية وأبعادها الاستراتيجية، محذرا من قراءتها خارج سياقها.

باريس تصمت عن الحصار.. وماكرون يتحدث عن "مرافقة"

أوضح ريمون أن الموقف الفرنسي لم يعبر عنه بالتعقيب المباشر على الحصار، مشيرا إلى أن الرئيس إيمانويل ماكرون لم يصدر أي تعليق عليه، في حين أن رئيس الوزراء البريطاني تصدى لذلك.

ورأى الباحث أن فرنسا تريد الاستمرار في ثوابتها الدبلوماسية، وهي ثوابت لن تأتي مؤيدة للنهج الأميركي ولا معارضة له، بل ستظل وفية لمبادئ الدبلوماسية الأوروبية القائمة على الاستقلالية.

مهمة بحرية أوروبية في هرمز بعيدا عن واشنطن

ولفت ريمون إلى أن ماكرون يتحدث عن نوع من "المرافقة" و"التنظيم" للملاحة، حين تعود الظروف الأمنية إلى مستوياتها المعتدلة، أي حين تسمح بمرور نحو 120 سفينة.

وأكد أن باريس تسعى إلى قيادة "دبلوماسية سلام مبنية على المصالح"، واصفا إياها بأنها دبلوماسية معقلنة تنبع من إيمانها بأن التنظيم يرتكز على مبدأ العودة إلى الطبيعية.

مبادرة مفترقة.. لا تزامن مع هرمز بل استشراف لما بعده

نبه ريمون إلى ضرورة تجنب قراءة المبادرة الفرنسية البريطانية من زاوية تزامنها مع التنظيم الأميركي للملاحة في مضيق هرمز، مؤكدا أن هذا المنظار القاصر لن يمكن من فك شفرتها الحقيقية.

وقال صراحة إن المبادرة "مفترقة في زمنها"، أي أنها تخطط لمرحلة ما بعد الحصار لا لإدارة الحصار ذاته، وإنه لا يتوقع أن يؤدي هذا النوع من المؤتمرات إلى رفع الحصار.

وأشار إلى وجود "حصار داخل الحصار" فرضه دونالد ترامب، مع إتاحة عمليات تفتيش للسفن المحايدة مع ضمان حرية تحركها. ورأى أن السماح بمرور السفن الصينية يكشف عن مصلحة أميركية واضحة، وأن المشهد برمته يجري في سياق مزدوج: حصار من جهة، ومفاوضات غير معلنة من جهة أخرى.

سيناريوهات التصعيد الأميركي ضد إيران

ولفت إلى ما وصفه بـ"انسيابية غير معلنة" تتعمد الإدارة الأميركية إبقاءها مفتوحة، فيما تسعى المبادرة الأوروبية إلى تلقّف هذه البوادر لإعادة التفكير في تنظيم حركة التجارة العالمية.

ونفى ريمون نفيا قاطعا أن تكون أوروبا تقدم "عربوناً لإيران" من خلال هذه المبادرة. غير أنه أقر بأن المبادرة قد تبدو مكبلة بافتقارها إلى شيء من الواقعية العملية.

واستند في تفسيره إلى الروح التفاوضية ذاتها التي أفضت إلى اتفاقية فيينا عام 2015، مؤكدا أن المنظور الأوروبي يراهن على أن إيران ستنتهي في نهاية المطاف إلى تخفيف التوتر حين تدرك أن مصلحتها تقتضي ذلك، بدلا من الاستمرار في سياسة "لي الذراع".

وأكد ريمون أن هذا المنظار لا يمثل تفاهما مع الواقع الإيراني، ولا دعما غير معلن لطهران، بل هو إقرار بمنطق تفاوضي طويل الأمد.

أوروبا تراهن على اليوم التالي

كشف الباحث عن المعادلة الجوهرية التي تحكم الدبلوماسية الأوروبية في هذه الأزمة: أوروبا لا تمتلك القوة العسكرية الأميركية، وهو ما يدفعها تلقائيا إلى اقتراح دبلوماسية محايدة وغير منخرطة في الصراع.

وقال ريمون إن "أوروبا سجينة"، لأنها لم تعد تمتلك من القوة ما كانت تمتلكه بريطانيا حين كانت صاحبة الأسطول الحربي الكبير في القرن التاسع عشر.

مفاوضات باكستان تحت المجهر وحصار هرمز يضغط إيران

وخلص إلى أن أوروبا تعتمد على "منطق مهادنة وليس منطق قدرة"، وهي مضطرة إلى ذلك. بيد أنه أشار إلى أن لهذا التموضع وجاهته، إذ يراهن على حتمية انتهاء الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، لأن النشر البحري والغارات الأميركية "لن تستمر إلى الأبد".

وعليه، فإن أوروبا تفكر في كيفية الالتحاق بالعمل الدبلوماسي حين تحل تلك اللحظة، مستندة إلى نموذج رعاية الاتفاقيات على غرار ما حاولت تحقيقه عام 2015.

في ختام تصريحاته، أبدى ريمون أن الدبلوماسية الأوروبية لا تفكر في اليوم التالي من منظور تنظيم حركة التجارة العالمية فحسب، بل أيضا من منظور تجنب "معركة لي ذراع" مع القوى الصاعدة في آسيا، لا سيما الصين والهند وباكستان.

ولفت إلى أن إيران تترك المجال لسفن هذه الدول بالمرور في مضيق هرمز، وهو ما يعني أن ثمة طرفا آخر في المعادلة غير الغرب، هو ما بات يُعرف بـ"دول الجنوب الشامل".

ورأى ريمون أن طابع الدبلوماسية الأوروبية "تنظيري" أكثر منه دبلوماسية قوة، مقارنة بالنهج الأميركي، مؤكدا أن هذا النهج قد يساعد على بلورة المشاريع وزرع بذور دبلوماسية الغد، حتى وإن تعذر قطف ثمارها قبل رفع الحصار.

وخلص إلى أن هذه الدبلوماسية مصمَمة لبناء شراكة مع دول الجنوب الشامل تحت قيادة آسيوية-صينية، في أفق ما بعد انحسار الهيمنة الأميركية على هذا الممر الحيوي.

هرمز والنووي.. صراع ضغوط يعيد مفاوضات واشنطن وطهران