في مشهد يتسم بالغموض والتقلب، تتقاطع إشارات التصعيد العسكري مع مؤشرات انفتاح تفاوضي غير مستقر بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل مقاربة أميركية توصف بغير التقليدية.
وبينما يطرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب مسارا مزدوجا يجمع بين الضغط العسكري والتفاوض، تتباين التقديرات بشأن جدوى هذا النهج، وسط تساؤلات حادة حول أهدافه النهائية، وإمكان تحقيقها، وتداعياتها على الداخل الأميركي والإقليم ككل.
يرى الكاتب والباحث السياسي، كين تميرمان، خلال حديثه لسكاي نيوز عربية أن سلوك ترامب السياسي منذ توليه الحكم اتسم بقدرة دائمة على المفاجأة، معتبرا أن هذه السمة باتت جزءا بنيويا من نهجه السياسي، حيث لا يشبه أي سياسي تقليدي.
ويشير إلى أن التصريحات الأخيرة لترامب، لا سيما حديثه عن التواصل مع إيران، والتلمحي برئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، شكلت بدورها مفاجأة إضافية، خصوصاً بالنظر إلى موقع الأخير داخل بنية النظام الإيراني وارتباطه بالحرس الثوري.
غير أن تميرمان يطرح شكوكا بشأن مصداقية هذا المسار، متسائلا عما إذا كان قاليباف يمثل فعليا قناة تواصل حقيقية مع واشنطن، أو حتى يسيطر على المنصة التي تصدر عنها هذه الإشارات.
ويعكس هذا الطرح حالة من الضبابية التي تكتنف مسار التفاوض، وتحد من إمكانية البناء عليه كخيار استراتيجي واضح.
شروط أميركية صارمة
يؤكد تميرمان أن الهدف الأساسي لترامب يتمثل في إيجاد طرف داخل النظام الإيراني يمتلك سلطة إعلان الاستسلام، بما يشمل التخلي الكامل عن البرنامج النووي، وتسليم اليورانيوم المخصب، ومنع إعادة تخصيبه مستقبلا. كما يشدد على أن الإدارة الأميركية تسعى أيضا إلى إنهاء برنامج الصواريخ الباليستية بعيدة المدى.
هذه الشروط، وفق تميرمان، لا تقتصر على الجوانب التقنية، بل تمتد إلى إعادة تشكيل طبيعة النظام السياسي في إيران ليكون أكثر تمثيلا للشعب، وهو ما يقر بصعوبة تحقيقه، خاصة في ظل المعطيات الحالية.
إيران وكسب الوقت.. استراتيجية البقاء
في المقابل، يعتقد تميرمان أن طهران تتبنى سياسة شراء الوقت، في ظل ما يصفه بحالة انهيار يعيشها النظام الإيراني، وسعيه لتفادي السقوط وإعادة ترتيب صفوفه.
ويشير إلى أن الهدف الإيراني الأساسي يتمثل في وقف الهجمات الأميركية على المنشآت العسكرية، دون تقديم تنازلات جوهرية.
ويعزز هذا التقدير بإشارته إلى استمرار العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية، رغم إعلان تعليق محدود للهجمات على منشآت الطاقة لمدة خمسة أيام، ما يعكس – وفق رأيه – أن الضغط العسكري لا يزال الأداة الرئيسية في يد واشنطن.
مهلة الخمسة أيام.. اختبار النوايا
يبرز عامل الوقت كعنصر حاسم في هذه المرحلة، حيث يمنح ترامب طهران مهلة محددة لاختبار جديتها في التفاوض. ويرى تميرمان أن هذه المهلة لا تعني وقف العمليات، بل مجرد تعليق جزئي، في ظل استمرار استهداف القدرات العسكرية الإيرانية، بما في ذلك قادة النظام.
ويضيف أن القرار النهائي يبقى بيد إيران، لجهة استعدادها لتقديم تنازلات كبيرة، وهي النقطة التي يراهن عليها ترامب لتحقيق أهدافه.
شكوك حول جدوى التفاوض
يبدي تميرمان تشككا واضحا في إمكانية أن تؤدي هذه المفاوضات إلى نتائج إيجابية، معتبرا أن الإيرانيين يعتقدون أن ترامب يرتكب خطأ استراتيجيا، بينما يحذر من أن الرئيس الأميركي يمتلك خبرة طويلة في التفاوض، وقدرته على الانسحاب من أي اتفاق إذا لم يحقق أهدافه.
ويشدد على أن أي اتفاق لا يتضمن إنهاء القدرات النووية والصاروخية وفتح مضيق هرمز ووقف الهجمات، سيعد اتفاقا لاغيا من وجهة نظر واشنطن.
تقاطع أميركي إسرائيلي.. هدف مشترك
يرى تميرمان أن هناك تقاربا واضحا بين الولايات المتحدة وإسرائيل في الأهداف الاستراتيجية، لا سيما في ما يتعلق بإنهاء دور النظام الإيراني الذي يتهمه باستخدام الإرهاب كأداة رئيسية، ودعم جماعات مثل الحوثيين وحماس وحزب الله.
ويؤكد وجود تنسيق يومي بين ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مع توافق على ضرورة اختبار الموقف الإيراني خلال المهلة المحددة، قبل المضي في تصعيد إضافي في حال عدم الجدية.
البعد الدولي
ينتقد تميرمان الموقف الأوروبي، مشيرا إلى رفض بعض الدول، مثل ألمانيا، الانخراط في الحرب، رغم طلب واشنطن دعمها لضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز. ويعتبر أن الأوروبيين قد يعيدون النظر في مواقفهم، خاصة في ظل ارتباط مصالحهم بإمدادات النفط.
كما يلفت إلى الكلفة الاقتصادية والبشرية المرتفعة التي تتحملها الولايات المتحدة، مع دعوات إلى مساهمة دول أخرى مستفيدة من أمن المضيق، مثل اليابان وكوريا الجنوبية.
غياب الوضوح وتضارب المسارات
من جهته، يرى الضابط السابق في الاستخبارات العسكرية الأميركية فيكتور لاغرون أن المشهد الحالي يتسم بغياب الوضوح، سواء فيما يتعلق بوجود مفاوضات فعلية أو استمرار التصعيد العسكري. ويصف المرحلة بأنها متفككة، إلى حين تبلور رؤية واضحة تخدم المصالح الأميركية.
الداخل الأميركي.. ضغط اقتصادي وتراجع التأييد
يشير لاغرون إلى أن الرأي العام الأميركي لا يدعم هذا التوجه، في ظل ارتفاع أسعار النفط والطاقة، وتزايد الخسائر البشرية. ويؤكد أن الأميركيين يرغبون في رؤية تغيير، لكنهم غير متأكدين من إمكانية تحقيق ذلك أو من استعداد إيران لتقديم تنازلات.
كما يدعو إلى ضرورة تحديد واضح لمفهوم الانتصار، ليس فقط من منظور البيت الأبيض، بل بما يتوافق مع توقعات الشعب الأميركي.
أزمة تعريف النصر واستراتيجية الخروج
يبدي لاغرون شكوكا حول طبيعة الانتصار الذي يسعى إليه ترامب، مشيرا إلى استمرار الحرب بتكلفة مالية مرتفعة، في ظل غياب معلومات استخباراتية واضحة حول حجم التهديد الإيراني.
ويشدد على ضرورة تقديم هذه المعلومات للكونغرس والرأي العام، وتحديد طبيعة الخطر، مع التأكيد على أهمية إيجاد استراتيجية خروج واضحة من هذا النزاع.
الدبلوماسية الغائبة.. الحاجة إلى مقاربة شاملة
ينتقد لاغرون غياب الدور الفعال للدبلوماسية، مشددا على ضرورة إشراك الأمم المتحدة كشريك حقيقي، بدلا من مطالبتها بتحمل مسؤوليات لم تكن جزءا من قرارها.
كما يدعو إلى تعزيز المسار الدبلوماسي، وإشراك جميع الأطراف، مع الحاجة إلى مبعوثين يتمتعون بقبول واسع في الشرق الأوسط، بهدف تحقيق تهدئة شاملة وتفادي مزيد من عدم الاستقرار.