لم تكن التغريدتان اللتان نشرهما الدكتور أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، مجرد موقف آني من عدوان عابر؛ بل قرأ فيهما رئيس تحرير صحيفة البيان حامد بن كرم خلال حديثه إلى سكاي نيوز عربية، ملامح تحول استراتيجي عميق يعيد رسم خارطة السياسة الخارجية الخليجية تجاه الملف الإيراني من جذورها.
فقد أشار بن كرم إلى أن تصريحات قرقاش جاءت "واضحة ومفصلة"، وأنها توزعت على تغريدتين منفصلتين، وهو ما فسره بوصفه دلالة على تعدد الأولويات وتراتبيتها. وأكد أن ما طرح ليس مجرد ردود فعل لحظية، بل بوصلة تحدد ملامح المرحلة المقبلة بأسرها.
وتوقع بن كرم أن تكون السياسة الخارجية الخليجية تجاه إيران "مختلفة تماما" عما كانت عليه قبل العدوان، مشيرا إلى أن أي اتفاقيات مستقبلية ستُبنى على شروط تضمن أمنا مستداما للخليج، لا تسويات ظرفية هشة.
ما وراء وقف إطلاق النار
لفت بن كرم إلى أن المشهد المقبل لن يقتصر على إيقاف البرنامج النووي الإيراني، بل سيمتد ليشمل وقف برنامج الصواريخ الباليستية والمسيرات وكل ما يترتب عليهما.
وهو ما يعني، وفق قراءته، أن سقف المطالب الخليجية قد ارتفع جوهريا، وأن أي حل لن يبنى على تفاهمات جزئية.
الأمن الخليجي.. هوية مستقلة في طور التشكل
استوقف بن كرم عند ما وصفه بـ"الفكرة الجديدة" التي طرحها قرقاش في تغريدته الثانية، وهي مفهوم "الأمن الخليجي" بوصفه منظومة قائمة بذاتها، قد لا تكون مرتبطة في كل الأحوال بالأمن العربي الأشمل.
ودعم بن كرم تحليله بلغة الأرقام؛ إذ أشار إلى أن الصواريخ التي استهدفت منطقة الخليج بلغت نحو ضعف تلك التي أُرسلت إلى إسرائيل.
ورأى في ذلك دليلا دامغا على أن العدوان لم يكن ارتجالا أو رد فعل على الضربات الأميركية الإسرائيلية، بل "تم التخطيط له فترة طويلة"، مع رصد مسبق للأهداف وتحديد الإمارات بالذات في مقدمتها.
وخلص إلى أن هذا يمثل "دليلا قاطعا" على أن حسن النية الذي دفعت به دول الخليج في مسار الحوار مع طهران قد آل إلى خيبة موثقة، وأن المرحلة المقبلة ستتسم بـ"غلظة" واضحة في أي تعاملات مستقبلية مع الجانب الإيراني، على المدى القريب إلى المتوسط على أقل تقدير.
ما وراء هرمز.. الملاحة الدولية على طاولة التفاوض
وتوقف بن كرم عند تعبير قرقاش عن "بلطجة المضائق"، مؤكدا أن الصياغة اختارت المضائق جمعا لا مفردا، وهو ما يعني أن المسألة تتجاوز مضيق هرمز وحده لتطال الملاحة الدولية في مجملها.
وأشار إلى أن ما يعرقل ليس مرور ناقلات النفط فحسب، بل المنظومة اللوجستية والاقتصادية بكاملها التي تُغذي نهضة دول الخليج وترتبط بها شرايين تجارتها العالمية.
تبلور سياسة لا تراجع عنها
خلص بن كرم إلى أن طرح قرقاش لهذه الأفكار يمثل "تطورا لتبلور سياسة" ستتضح ملامحها تدريجيا في المرحلة المقبلة، مع وجود مسارين متوازيين لا متطابقين: مسار الأمن الخليجي بمتطلباته الخاصة، ومسار الأمن العربي بأجندته الأشمل. وهو تحوّل يبدو، في ضوء هذا التحليل، أنه بات أمراً محسوماً لا مجرد خيار مطروح.