في خضم التصعيد العسكري المتسارع بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تتكثف التحركات الدبلوماسية الدولية في محاولة لاحتواء الأزمة ومنع انزلاقها إلى تداعيات أوسع تمس الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي.
وبينما تتحدث موسكو عن استعدادها للمساهمة في التهدئة وطرح خيارات للوساطة، يبرز في المقابل نقاش متزايد بشأن حقيقة موازين القوى على الأرض، وقدرة إيران على الصمود في ظل الضربات العسكرية المتواصلة.
في هذا السياق، قدم الكاتب الصحفي جعفر سلمان، خلال حديثه إلى سكاي نيوز عربية قراءة تحليلية لطبيعة المرحلة الراهنة، متوقفا عند التطورات العسكرية والسياسية داخل إيران، وحدود قدرتها على مواجهة الضغط العسكري، إضافة إلى انعكاسات الأزمة على معادلات الملاحة الدولية وأمن الطاقة العالمي.
السماء المكشوفة وحسم المعادلة العسكرية
يرى سلمان أن التطورات الميدانية أظهرت بوضوح أن المعادلة العسكرية حسمت بالفعل، وليس أنها في طريقها إلى الحسم. فإيران، بحسب وصفه، تعيش وضعا صعبا نتيجة ما أسماه السماء المكشوفة، في إشارة إلى القدرة التي تمتلكها الولايات المتحدة وإسرائيل للتحرك بحرية فوق الأجواء الإيرانية.
ويؤكد أن استمرار القصف الجوي دون وجود رادع فعال يضع أي دولة في وضع شديد الصعوبة، مشيرا إلى أن إيران تواجه ضربات متواصلة ليلا ونهارا من دون امتلاك قدرة ردع كافية توقف هذا المسار.
وفي تقديره، فإن طول أمد الحرب تجاوز ما كان متوقعا في البداية، إذ يوضح أنه كان يتوقع قبول إيران بالتفاوض قبل أيام، غير أن التطورات أظهرت استمرار القتال حتى الآن، مع إعلان طهران شرطا واحدا لقبول التفاوض أو وقف إطلاق النار يتمثل في عدم التعرض لها بالهجمات.
ويفسر سلمان هذا الشرط بأنه يعكس عمليا استعدادا لقبول وقف إطلاق النار، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى وجود تعددية في الخطاب داخل إيران.
تعدد الخطابات داخل إيران
بحسب سلمان، فإن المشهد الإيراني لا يعكس خطابا واحدا موحدا، بل يضم أكثر من مستوى من الخطابات السياسية والعسكرية.
فمن جهة، هناك خطاب سياسي يسعى إلى تهدئة ما وصفه بـ"الجنون" الذي مارسته إيران، بينما يظهر في المقابل مسار عسكري مختلف يبدو وكأنه يتحرك دون ضوابط واضحة أو توجيهات مركزية.
ويشير في هذا السياق إلى الحرس الثوري الإيراني، الذي يصف سلوكه بأنه يبدو وكأنه دولة داخل الدولة، وهو ما يخلق إشكالية داخلية على الإيرانيين أنفسهم معالجتها إذا أرادوا إنهاء الوضع القائم.
شروط واشنطن الثلاثة
وفيما يتعلق بالموقف الأميركي، يؤكد سلمان أن واشنطن كانت واضحة في مسارها التفاوضي، إذ سعت إلى التوصل لاتفاق يتضمن ثلاثة بنود رئيسية معلنة: الملف النووي، والأذرع الإقليمية، وبرنامج الصواريخ.
غير أن المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي، وفق ما يورده سلمان، لم يقبل بهذه الشروط، الأمر الذي أدى – بحسب تعبيره – إلى إزاحته من المشهد، مع إعلان موقف مفاده أن أي مرشد قادم إذا لم يوافق على توقيع الاتفاقية سيتم إبعاده أيضا.
ويشير سلمان إلى وجود معلومات متضاربة داخل إيران بشأن مجتبى خامنئي، إذ تم الإعلان عن توليه منصب الولي بشكل رسمي، موضحا أن هذا الخطاب لا يوجه إلى الولايات المتحدة فقط، بل إلى الداخل الإيراني أيضا، وخصوصا إلى الحرس الثوري.
ويضيف أن تفسير هذه الخطوة باعتبارها مجرد خداع استراتيجي يبدو صعبا بالنسبة له، في ظل الغموض المحيط بمصير المرشد، حيث تتراوح الروايات بين إصابته بجروح خطيرة أو إصابة طفيفة، أو حتى انخراطه في مفاوضات خلف الكواليس.
ويرى سلمان أن الإجابة عن هذه التساؤلات تحتاج إلى أيام قليلة حتى تتكشف الصورة بشكل أوضح.
حدود زمن الحرب
وفي تقديره لمسار العمليات العسكرية، يستبعد سلمان أن تستمر الحرب لمدة أسبوعين، في إشارة إلى احتمال تسارع التطورات السياسية والعسكرية خلال فترة قصيرة.
كما ينتقد التصورات التي تضع فرنسا أو بريطانيا في موقع المساعد للولايات المتحدة أو إسرائيل، معتبرا أن مثل هذا التوصيف غير دقيق.
ويؤكد سلمان أن القضية الأساسية بالنسبة للقوى الدولية تتمثل في ضمان حرية الملاحة والتجارة، خصوصا في مضيق هرمز الذي يمثل شريانا حيويا للاقتصاد العالمي.
فإغلاق المضيق، بحسب قوله، سيؤدي إلى مشاكل اقتصادية تمس الكرة الأرضية بأكملها، وهو ما يجعل من غير الممكن السماح لإيران بامتلاك القدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي عبر هذه الورقة.