كشفت الحرب في الشرق الأوسط، وفق قراءة الكاتب والباحث السياسي محمد قواص، عن تحول لافت في بنية العلاقات بين الولايات المتحدة وبريطانيا، تلك العلاقة التي وصفت تاريخيا بـ"الاستثنائية".
غير أن التطورات العسكرية والسياسية المرتبطة بالحرب ضد إيران أظهرت، كما يقول قواص، مؤشرات تصدع غير مسبوقة داخل هذا التحالف العابر للأطلسي.
فالمواقف البريطانية الأخيرة، سواء على المستوى السياسي أو العسكري، بدت أقل انسجاما مع السياسات التي يقودها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الأمر الذي يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع بشأن مستقبل التنسيق داخل حلف الناتو، وطبيعة التموضع الأوروبي في صراعات المنطقة.
علاقة استثنائية تتعرض للاهتزاز
يرى قواص خلال حديثه إلى "سكاي نيوز عربية"، أن المفاجأة الأبرز التي أفرزتها الحرب تتمثل في الانكشاف الكبير لحالة التصدع في العلاقات بين بريطانيا والولايات المتحدة. فهذه العلاقة، كما يوضح، لطالما اعتبرت علاقة استثنائية داخل المنظومة الغربية، حتى إن بريطانيا كانت تمثل حالة خاصة في علاقتها مع أوروبا مقارنة ببقية الدول الأوروبية.
ويذكر قواص بأن الرئيس الفرنسي الراحل شارل ديغول كان يعارض دخول بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي، معتبرا إياها أقرب إلى أن تكون حليفا أو "جاسوسا" للولايات المتحدة داخل أوروبا.
ولم تتمكن لندن من الانضمام إلى أوروبا إلا بعد خروج ديغول من المشهد السياسي. ومنذ ذلك الحين حافظت بريطانيا على موقع مميز في العلاقة مع واشنطن، إذ كانت الدولة الوحيدة التي شاركت الولايات المتحدة في معظم الحروب التي خاضتها.
ويشير الباحث السياسي إلى أن بريطانيا بقيت حتى وقت قريب الشريك الغربي الوحيد الذي شارك الولايات المتحدة في الهجمات التي استهدفت جماعة الحوثي في اليمن، في حين امتنعت بقية الدول الغربية عن الانخراط في تلك العمليات.
أزمة كيمياء سياسية بين ستارمر وترامب
غير أن التطورات الأخيرة، بحسب قواص، كشفت غياب "الكاريزما" أو ما يسميه "الكيمياء السياسية" بين رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر والرئيس دونالد ترامب.
ويضيف أن التباين لا يقتصر على البعد الشخصي، بل يمتد إلى اختلافات سياسية بين إدارة ترامب وحكومة حزب العمال في بريطانيا.
ويشير في هذا السياق إلى أن فوز حزب العمال بالانتخابات البريطانية ترافق مع حملة انتقادات من شخصيات أميركية بارزة، من بينها نائب الرئيس جي دي فانس ورجل الأعمال إيلون ماسك، اللذان سخرا من بريطانيا وحكومة العمال.
وبرغم أن مثل هذه التوترات كان يمكن احتواؤها دبلوماسيا، فإن القرارات البريطانية الأخيرة – مثل رفض السماح أحيانا باستخدام القواعد البريطانية أو الامتناع عن إرسال قوات لدعم العمليات الأميركية – تعكس، وفق قواص، نقطة تحول قد تمثل مفترق طرق في العلاقة بين البلدين، وكذلك داخل حلف الناتو.
إرث بريكست والوعود الأميركية غير المنجزة
يتوقف قواص أيضا عند الخلفيات السياسية التي ساهمت في هذا التباعد. فهو يذكر بأن ترامب خلال ولايته الأولى شجع بريطانيا على المضي بعيدا في الخروج من الاتحاد الأوروبي، واعدا باتفاق تجاري استراتيجي يعوضها عن خسائرها الاقتصادية مع أوروبا.
لكن هذا الوعد، كما يوضح، لم يتحقق. بل إن ترامب ضغط لاحقا على حكومة المحافظين بقيادة بوريس جونسون لإلغاء عقد مع شركة صينية يتعلق بتقنية الجيل الخامس للاتصالات، في إطار الصراع الأميركي مع الصين.
ويرى قواص أن الحكومة العمالية الحالية تحمل دوافع أيديولوجية مختلفة، إذ تسعى إلى الابتعاد عن نمط التبعية التقليدية للولايات المتحدة، والتقارب أكثر مع أوروبا، وهو ما يثير غضب واشنطن.
ويضيف أن هذا التوجه قد يفتح مستقبلا نقاشا حول إعادة النظر في العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، بعد تجربة الخروج منه.
حسابات عسكرية ترفض الانخراط في الحرب
على المستوى العسكري، يشير قواص إلى أن بريطانيا تقترب في مقاربتها من الموقف الأوروبي العام، ولا سيما الفرنسي. فباريس، رغم إرسالها قطعا بحرية إلى المنطقة بما فيها حاملة الطائرات "شارل ديغول"، شددت على أن وجودها يهدف إلى حماية الملاحة الدولية والسفن التجارية، مع تأكيدها أن الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران غير قانونية.
وبحسب قواص، تعتمد بريطانيا مقاربة مشابهة. فلندن لديها نحو 200 ألف بريطاني في الشرق الأوسط، إضافة إلى مصالح وحلفاء في الخليج واتفاقات دفاعية مع دول المنطقة. لذلك أرسلت سفنا وطائرات ومسيّرات ومروحيات لتعزيز وجودها، لكنها رفضت إرسال حاملة طائرات للمشاركة في العمليات.
ويشير قواص في الاثناء إلى أن التقديرات العسكرية البريطانية ترى أن إرسال حاملة طائرات إضافية لن يغير موازين القوى، بل سيرفع فقط مستوى المخاطر، إذ ستكون عرضة للنيران الإيرانية من دون تحقيق مكاسب عسكرية حقيقية.
حرب أميركية إسرائيلية بلا تشاور
يؤكد قواص أن الحرب الحالية تعد في نظر الأوروبيين حربا أميركية إسرائيلية بامتياز، إذ لم يجر التشاور بشأنها مع الحلفاء في حلف الناتو. ويقارن ذلك بما حدث في حروب سابقة مثل تحرير الكويت أو العراق أو أفغانستان، حين كانت الدبلوماسية الأميركية تجول على العواصم لبناء تحالفات وتنسيق المواقف.
أما اليوم، فيرى الأوروبيون أن مصالحهم المباشرة لا تبرر الانخراط في هذه الحرب. فبحكم الجغرافيا، ستكون أوروبا أول من يدفع ثمن تداعياتها، سواء عبر التهديدات الأمنية المرتبطة بالإرهاب، أو موجات اللاجئين، أو التوترات التي تطال منطقة البحر المتوسط.
ويخلص قواص إلى أن الأوروبيين، رغم خصومتهم مع النظام الإيراني، لا يريدون أن يكونوا طرفا في معركة تقودها واشنطن وتل أبيب، كما لا يرغبون في أن تتحول الحرب إلى صراع إقليمي أوسع قد يستدرج قوى أخرى إلى المواجهة.