في لحظة تتكاثف فيها الإشارات المتضاربة بين التصعيد والانفتاح، يقدم الخطاب الإيراني نموذجا تفاوضيا مركبا، تتداخل فيه اللغة السياسية مع أدوات الردع العسكري.
فالمعركة، وفق قراءة الخبير في الشؤون الإيرانية نبيل العتوم، خلال حديثه إلى غرفة الأخبار على سكاي نيوز عربية، لا تدور فقط حول بنود تقنية تتصل بالنووي أو الصواريخ، بل حول تعريف معنى التنازل ذاته، وحدود المبادرة، وسقف الندية في مواجهة واشنطن.
صياغة المقترحات.. هندسة لغوية لتفادي كلفة التنازل
يؤكد العتوم، أن استخدام مصطلح "صياغة المقترحات" ليس تفصيلا لغويا عابرا، بل اختيارا تفاوضيا محسوبا. فوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، بحسب توصيفه، يتعمد استخدام هذا التعبير لتجنب توصيف ما يجري بأنه تقديم تنازلات.
الدلالة، كما يشرح العتوم، مزدوجة: داخليا، لا تريد القيادة الإيرانية أن تظهر بمظهر المتراجع أمام الضغط الأميركي؛ وخارجيا، تسعى إلى تثبيت صورة التفاوض المتكافئ لا الاستسلام لشروط مفروضة. فالمقترح يوحي بالمبادرة والسيادة، بينما التنازل يشي بالخضوع.
الأهم في هذا الإطار أن صيغة المقترح تمنح طهران مساحة تعديل لاحق دون كلفة سياسية مباشرة. إذ يمكن إعادة صياغته أو تطويره، بخلاف الاعتراف بتنازل يصعب التراجع عنه. هنا، تصبح اللغة أداة مناورة، وجزءا من إدارة التوازن بين الجدية التفاوضية وعدم تقديم ما يُفسَّر داخلياً كانتكاسة.
اختبار الخطوط الحمراء
يرى العتوم أن إيران ما زالت تعتقد بقدرتها على فرض شروطها، وأن ما تقدمه ليس اتفاقا جاهزا بل مسودة تهدف إلى استكشاف الخطوط الحمراء الأميركية.
فالتقدم، من وجهة النظر الإيرانية كما ينقلها، يجب أن يفهم على أنه نتيجة تبادل مقترحات، لا مفاوضات مباشرة ذات طابع إلزامي.
في المقابل، يتزامن هذا المسار مع خطاب تهديدي تصاعدي: توسيع الحرب إقليميا، ضرب القواعد الأميركية، استهداف حلفاء واشنطن، إغلاق مضيق هرمز، وإطلاق تصريحات عن إغراق حاملات الطائرات وتدمير إسرائيل. يقرأ العتوم هذا الخطاب بوصفه محاولة ضغط نفسي ورفع كلفة أي مواجهة عسكرية محتملة.
غير أن هذا التصعيد، وفق تحليل العتوم، يعكس مفارقة واضحة: ففي الوقت الذي تغلف فيه طهران أي مرونة محتملة بعبارات سيادية، تلوح بخيارات قصوى وتتبنى مقولة أن كلفة الحرب أقل من كلفة الاستسلام إذا فرضت عليها المواجهة. وهنا يطرح العتوم تساؤلا ضمنيا حول ما إذا كان الأمر سوء تقدير لموازين القوى أم استراتيجية ردع محسوبة.
فجوة المطالب.. تفكيك كامل أم تجميد مؤقت؟
يرسم العتوم صورة لفجوة واسعة بين الطرحين. فالجانب الأميركي، كما يذكر، يتحدث عن تفكيك البرنامج النووي، تصفير التخصيب، تسليم 23 ألف جهاز طرد مركزي، تسليم 450 كيلوغراما من اليورانيوم عالي التخصيب، إعادة كاميرات المراقبة، والسماح بعمليات تفتيش دولية، إضافة إلى تقييد البرنامج الصاروخي بما لا يتجاوز مدى 400 كيلومتر، وكبح الإنتاج، والتعامل مع البرنامج الفضائي باعتباره غطاء لتجارب صاروخية بعيدة المدى.
في المقابل، يتحدث الإيرانيون – وفق ما ينقله العتوم – عن تجميد التخصيب بين 3 و5 سنوات، وتسليم جزء من اليورانيوم، وإعادة معالجة اليورانيوم عالي التخصيب إلى نسبة 20%، مع الاحتفاظ بأجهزة الطرد المركزي، ورفض المساس بالبرنامج الصاروخي باعتباره حقا سياديا.
في هذه النقطة تحديدا، يتشكك العتوم في الحديث عن تنازلات إيرانية حقيقية، متسائلا عن طبيعة التراجع الممكن في ظل هذا التباعد. فالفارق بين التفكيك الكامل والتجميد المؤقت ليس تقنيا فحسب، بل يعكس اختلافا جذريا في تعريف الهدف النهائي للعملية التفاوضية.
ويصف العتوم السياسة الأميركية بأنها قائمة على الضغوط القصوى مع إبقاء جميع الخيارات مفتوحة. فالرسالة، بحسب قراءته، مزدوجة: قدرة على تنفيذ ضربات سريعة ودقيقة وموجعة إذا استمر التصعيد، واستعداد لتوسيع الهجوم إلى مستوى مدمر وغير مسبوق إذا تعرضت المصالح الأميركية أو حلفاؤها لضربة كبيرة.
ويتحدث العتوم في الأثناء عن بنك أهداف واسع قد يشمل البنية النووية كاملة، المنشآت المحصنة، مراكز البحث والتطوير، البرنامج الصاروخي والمسيرات، شبكات القيادة والسيطرة، ومراكز الحرب الإلكترونية، مع احتمال اعتماد موجات متتالية من الضربات بدلا من ضربة واحدة حاسمة.