على خطٍّ مشتعلٍ من التصعيد الإقليمي، تتحرك الدبلوماسية بين طهران وواشنطن في لحظة يصفها مراقبون بأنها من أخطر اللحظات السياسية منذ سنوات، حيث تتقاطع التهديدات العسكرية مع محاولات فتح مسارات تفاوضية في ظل بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد.

وفي السياق، يبرز تساؤل محوري بشأن مدى استعداد الطرفين فعليًا للذهاب نحو تسوية سياسية قابلة للحياة، بعيدًا عن الضغوط والتدخلات الخارجية.

مدير المركز العربي للدراسات الإيرانية، محمد صالح صدقيان، يضع هذا السؤال في صلب قراءته لمسار المفاوضات، معتبرًا أن المسألة "سؤال كبير جدًا ومهم أيضًا"، وأن الإجابة عليه لا يمكن فصلها عن نظرة كلٍّ من الجانبين إلى طبيعة الصراع وإمكانيات الحل.

الواقعية السياسية شرط التفاؤل

يرى صدقيان أن إمكانية التفاؤل بالسلام تبقى قائمة، ولكنها مشروطة بتحلي الطرفين بالواقعية السياسية والابتعاد عن الضغوط الأخرى التي تحيط بملف التفاوض.

ويوضح أنه لا يميل إلى طرف ضد آخر، بل ينطلق من تقييم واقعي للمشهد، مؤكدًا أن غياب هذه الواقعية يفتح الباب أمام تحديات كبيرة تعرقل أي مسار تفاوضي، سواء في الحاضر أو المستقبل.

ويشير إلى أن المفاوضات بين طهران وواشنطن لا تسير في ظروف مثالية، ولا يمكن وصفها بأنها "على السجادة الحمراء"، في ظل تشابك الملفات وتعدد الأطراف المؤثرة، ما يجعل الطريق نحو التفاهم محفوفًا بالعقبات السياسية والأمنية.

تعقيدات إقليمية ودولية ضاغطة

ويؤكد صدقيان أن المنطقة تمر بظروف معقدة، سواء على المستوى الإقليمي أو داخل إيران نفسها، فضلًا عن التحولات التي يشهدها النظام الدولي في ظل تداعيات الحرب في أوكرانيا. ويرى أن تجاهل هذه العوامل عند بناء الحسابات السياسية يؤدي إلى تقديرات غير منطقية وغير واقعية.

من هذا المنطلق، يشدد على أن على الإيرانيين اليوم أن يكونوا أكثر واقعية سياسية مما كانوا عليه في السابق، معتبرًا أن المرحلة الحالية تتطلب قراءة دقيقة لموازين القوى والضغوط المحيطة.

وفي المقابل، يرى أن الجانب الأميركي تقع عليه أيضًا مسؤولية التعامل الفوقي بحسابات دقيقة، محذرًا من الوقوع في "خلل هيكلي في التفكير" عبر مقارنة إيران بحالات أخرى مثل فنزويلا، مؤكدًا أن "فنزويلا ليست إيران".

إيران كدولة ذات ثقل تاريخي واستراتيجي

وفي تحليله لطبيعة التعاطي الأميركي المطلوب، يلفت صدقيان إلى أهمية إدراك واشنطن، والرئيس الأميركي دونالد ترامب تحديدًا، أن إيران دولة كبيرة في هذه المنطقة، تمتلك حضارة وتاريخًا وإمكانات كبرى.

ويرى أن التعامل معها على أساس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل يمكن أن يحقق الأهداف التي تسعى إليها الإدارة الأميركية، بدل الاعتماد على الضغوط أو محاولات الإقصاء.

ويؤكد أن هذا النهج الواقعي لا ينطلق من موقع ضعف، بل من قراءة متوازنة لطبيعة الدولة الإيرانية ودورها الإقليمي.

أخبار ذات صلة

النووي والباليستي..ملفا خلاف بمحادثات واشنطن وطهران المرتقبة
ترامب: نجري محادثات مع إيران.. ولدينا سفن متجهة إلى المنطقة
إيران مستعدة لتعليق برنامجها النووي لتهدئة التوتر مع أميركا
حسابات إيران بين "ضغط الشارع" و"كلفة الضربة الأميركية"

الاحتجاجات والضغط الاقتصادي الداخلي

ويتوقف صدقيان عند ما شهدته الساحة الإيرانية من احتجاجات، موضحًا أن الولايات المتحدة بنت جزءًا من حساباتها على ما جرى في الشارع الإيراني، في حين حاول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو استغلال هذه الاحتجاجات سياسيًا.

ويشرح أن الاحتجاجات انطلقت أساسًا من "البازار"، الذي لا يسعى إلى الفوضى بقدر ما يطالب بتحسين الوضع الاقتصادي.

فالتجارة، بحسب صدقيان، تعطلت نتيجة الأزمات الاقتصادية، ما دفع البازار إلى التحرك للضغط على الحكومة الإيرانية لتدارك الأوضاع قبل تفاقمها.

ويشير إلى أن هذه التحركات جاءت في ظل تدهور سعر العملة وارتفاع معدلات التضخم، موضحًا أن نسبة التضخم في المواد الغذائية وصلت في الشهر الماضي إلى نحو 90 بالمئة، بالتوازي مع تراجع كبير في القدرة الشرائية للمواطنين.

إسرائيل كعامل تحدٍ مركزي في المفاوضات

ويعتبر صدقيان أن إسرائيل تمثل التحدي الأكبر أمام أي مفاوضات بين طهران وواشنطن.

ويستحضر في هذا السياق تجربة عام 2015، حين عمل نتنياهو بشكل مكثف لمنع توصل إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما إلى اتفاق مع إيران، مؤكدًا أن أوباما، رغم الضغوط، كان يمتلك رغبة حقيقية في التوصل إلى اتفاق ونجح في ذلك.

ويشير إلى أن ترامب ونتنياهو متفقان على أن الأمن القومي الإسرائيلي يجب أن يكون حاضرًا في أي مفاوضات، لافتًا إلى أن هذا المفهوم للأمن يشمل كل الملفات، من البرنامج النووي إلى الصواريخ والعلاقات الخارجية.

المنظومة الصاروخية ومنطق الردع

وفي معرض تفسيره لتطوير إيران منظومتها الصاروخية، يربط صدقيان ذلك بالتهديدات الإسرائيلية المستمرة، موضحًا أن إيران، في ظل افتقارها إلى سلاح جو متطور أو منظومات دفاع جوي كافية، اعتمدت على الصواريخ والطائرات المسيّرة كأداة ردع أساسية.

ويرى أن الحرب التي استمرت 12 يومًا أظهرت أن إيران تعاملت بحكمة، ولم تستخدم كل ما تمتلكه من قدرات صاروخية، معتبرًا أن ذلك يعكس قناعة إيرانية بأن هذه القدرات يمكن استخدامها في أي مواجهة مقبلة إذا فُرضت عليها.