تتأهب مصر لبدء مرحلة جديدة في إدارة منظومة الدعم التمويني، مع اقتراب تطبيق تجربة التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي اعتبارا من يناير 2027، في خطوة تستهدف إعادة صياغة آليات حصول ملايين المواطنين على احتياجاتهم الأساسية، ومنح الأسر المستفيدة حرية اختيار السلع، بدلا من الاعتماد على الحصص التموينية المحددة سلفاً.

واختارت الحكومة محافظة البحيرة لتكون نقطة الانطلاق الأولى للتجربة، التي تأتي بعد تأجيلات متكررة خلال الأشهر الماضية، وسط ترقب بشأن آليات التطبيق وقيمة المخصصات النقدية التي ستحصل عليها الأسر، ومدى قدرة المنظومة الجديدة على الحفاظ على القوة الشرائية للدعم في ظل ارتفاع الأسعار.

ولا يقتصر التحول المرتقب على تغيير طريقة حصول المواطنين على الدعم، وإنما يمتد إلى تطوير منظومة الصرف نفسها، من خلال توسيع نطاق المنافذ المشاركة، وتحديث قواعد البيانات وآليات الرقابة، بما يمهد لإعادة تنظيم واحدة من أكبر منظومات الحماية الاجتماعية في مصر.

تفاصيل المنظومة الجديدة
وبحسب مصدر بوزارة التموين المصرية لـ"سكاي نيوز عربية"، فإن خطة التحول لا تقتصر على تغيير طريقة تقديم الدعم من عيني إلى نقدي، وإنما تشمل تطوير منظومة الصرف وتوسيع شبكة المنافذ المتاحة أمام أصحاب البطاقات التموينية.

وأوضح المصدر أن الوزارة تتجه إلى إشراك فروع السلاسل التجارية الكبرى والشركات العاملة في تجارة المواد الغذائية، والتي تمتلك انتشاراً في عدد من المحافظات، بما يتيح للمواطنين خيارات أوسع للحصول على احتياجاتهم، بدلاً من اقتصار الصرف على منافذ الشركات التابعة للوزارة وبقالي التموين ومشروع "جمعيتي".

كما أشار إلى أن تطوير المنظومة يتضمن أيضا تحديث قواعد البيانات وآليات الصرف والرقابة والربط بين الخدمات، بهدف رفع كفاءة الإدارة وتحسين وصول الدعم إلى مستحقيه.

وشدد المصدر على أن التحول لا يستهدف تقليص أعداد المستفيدين أو خفض قيمة الدعم المخصص لهم، وإنما تغيير آلية تقديمه؛ إذ تعتمد المنظومة الحالية على إتاحة حزمة محددة من السلع التموينية، بينما يمنح النظام النقدي الأسرة قيمة مالية تستطيع من خلالها شراء احتياجاتها وفقاً لأولوياتها، مضيفا أن الحكومة ستراعي معدلات التضخم والتغيرات في أسعار السلع عند تحديد قيمة الدعم النقدي، بما يحافظ على القوة الشرائية للمخصصات ويحول دون تراجع قدرتها على تلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين.

وتعكس أرقام منظومة الدعم حجم التحدي المرتبط بهذا التحول، إذ يستفيد نحو 57.5 مليون مواطن من السلع التموينية، فيما يصل عدد المستفيدين من منظومة الخبز المدعم إلى نحو 64.5 مليون مواطن، وفق البيانات الرسمية، في حين يحصل الفرد حالياً على سلع تموينية بقيمة 50 جنيها شهرياً (الدولار =54 جنيها مصريا تقريبا)، إلى جانب خمسة أرغفة من الخبز المدعم يومياً.

وفي موازنة العام المالي 2026-2027، تبلغ مخصصات الدعم العيني نحو 178 مليار جنيه، مقابل 160 مليار جنيه في العام السابق، تتوزع بواقع 142 مليار جنيه لدعم الخبز و36 مليار جنيه لدعم السلع التموينية، وفق بيانات وزارة التموين.

أخبار ذات صلة

البن المغشوش يثير الجدل.. ماذا يشرب المصريون؟
وزير مصري يثير الجدل بتهنئة الأرجنتين.. ومسؤول يعلق

مكاسب اقتصادية وتحديات التنفيذ
ويرى الخبير الاقتصادي علي الإدريسي، في تصريحات لموقع "سكاي نيوز عربية"، أن الانتقال من الدعم العيني إلى النقدي يمثل خطوة مهمة لإعادة هيكلة منظومة الحماية الاجتماعية وتحسين كفاءة إدارة الموارد العامة، لكنه يتطلب دراسة دقيقة وآليات تنفيذ واضحة تحقق التوازن بين مصلحة المواطن واستدامة المالية العامة.

وأوضح الإدريسي أن الدعم النقدي يمنح الأسر حرية أكبر في تحديد احتياجاتها وفقاً لظروفها، بدلاً من الحصول على سلع محددة قد لا تتناسب بالضرورة مع احتياجاتها الفعلية، فضلاً عن مساهمته في خفض أعباء التخزين والنقل والتوزيع، والحد من الفاقد والتسرب وإعادة بيع السلع المدعمة في السوق غير الرسمية.

وعلى مستوى الموازنة العامة، أشار إلى أن التحول قد يحقق وفورات من خلال تحسين توجيه مخصصات الدعم وتقليل تكاليف إدارة المنظومة، لكنه لا يعني بالضرورة انخفاض فاتورة الدعم، خصوصاً إذا حافظت الدولة على المخصصات المالية نفسها، موضحاً أن المكسب الأساسي يتمثل في وصول الدعم إلى مستحقيه وتقليل الهدر.

وفي المقابل، حذر الإدريسي من أن "نجاح النظام الجديد بالنسبة للمواطن يتوقف على قدرة المخصصات النقدية على الحفاظ على قوتها الشرائية"، مؤكداً "ضرورة مراجعة قيمتها دورياً وربطها بمعدلات التضخم وتغير أسعار السلع الأساسية، لأن تثبيت المبلغ النقدي في ظل ارتفاع الأسعار يؤدي إلى تآكل قيمته الحقيقية، وقد يحول الإصلاح إلى عبء إضافي على الأسر محدودة الدخل".

ولفت إلى أن "دقة تحديد المستحقين وتحديث قواعد البيانات، إلى جانب توفير آليات واضحة للتظلمات، تمثل تحديات رئيسية أمام الحكومة، حتى لا تُستبعد أسر تستحق الدعم، مع ضرورة ضمان توافر السلع الأساسية ومنع الممارسات الاحتكارية أو استغلال زيادة السيولة النقدية في رفع الأسعار".

وأكد أهمية تطبيق المنظومة تدريجياً، والبدء بمناطق تجريبية قبل التوسع في تعميمها، مع توفير ضمانات للفئات الأكثر احتياجاً.

واختتم الإدريسي بأن نجاح التحول يجب ألا يُقاس بقدرته على تخفيف أعباء الموازنة فقط، وإنما بمدى تحقيق عدالة أكبر في توزيع الموارد وتحسين مستوى معيشة المواطنين، بحيث يتمكن المواطن من شراء احتياجاته الأساسية بمستوى الحماية نفسه أو أفضل، بالتوازي مع رفع كفاءة إدارة موارد الدولة وتحقيق التوازن بين العدالة الاجتماعية والانضباط المالي والاستقرار السعري.

أخبار ذات صلة

شراكة إماراتية مصرية بـ 500 مليون دولار لتأمين إمدادات القمح
بنزين يعطل السيارات.. ضبط 81 ألف لتر غير مطابق بمصر