في زاوية محل صغير بباب الجابية في دمشق القديمة، ينحني أحمد بقبوق فوق أسطوانة معدنية طويلة، يطرق سطحها بمطرقة صغيرة، قبل أن يتوقف لتفحص الخطوط التي بدأت تظهر على المعدن.
ما بين يديه لم يُصنع ليكون تحفة فنية أو ليزين واجهة متجر.. إنه واحد من مخلفات الحرب التي تحاول عائلة بقبوق منحها حياة مختلفة، بتحويل القذائف الفارغة وفوارغ الذخيرة إلى أعمال فنية تحمل ذاكرة ما عاشه السوريون.
ونشرت وكالة الأنباء السورية "سانا"، قصة العائلة التي تعمل في النقش على النحاس وصناعة الشرقيات، وهي حرفة توارثها أفرادها عن آبائهم، قبل أن تدخل إلى محلهم خلال السنوات الأخيرة مواد لم تكن مألوفة بين دلال القهوة والفوانيس والصناديق المزخرفة: مخلفات الحرب.
قذيفة تحولت إلى فانوس
لم تبدأ الفكرة من الحرب السورية، ففي منزل جد العائلة ظلت لعقود قذيفة تعود إلى الحرب العالمية الثانية، منقوشة ومطعمة بالفضة، قبل أن يضيف إليها أفراد العائلة فانوسا لتغيير شكلها وتحويلها إلى قطعة للزينة.
لكن التجربة اكتسبت معنى جديدا عندما وصلت إلى المحل عكازة مصنوعة من فوارغ طلقات رشاش، قال باسل بقبوق إنها صنعها أحد مقاتلي الغوطة الشرقية عندما كان مصابا خلال فترة الحصار، مستخدما المواد المتاحة لصناعة شيء يستطيع الاتكاء عليه.
وكانت تلك العكازة، وفق أحمد بقبوق، نقطة الانطلاق الحقيقية لفكرة تحويل مخلفات الحرب إلى أعمال تحفظ الذاكرة.
20 يوما لتغيير ملامح القذيفة
لا تتحول القذيفة إلى عمل فني بسرعة. تبدأ العملية بإصلاح المعدن إذا كان متضررا، ثم تنظيفه وتلميعه ورسم التصميم عليه، قبل بدء النقش اليدوي.
وقد تستغرق القطعة الواحدة نحو 20 يوما حتى تكتمل، لتظهر عليها زخارف نباتية وأشجار وياسمين وكتابات وزخارف إسلامية.
ويصف أحمد اللحظة التي يمسك فيها القذيفة للمرة الأولى قائلا: "أراها قطعة موت، وقطعة دمار، وقطعة ألم"، لكن الشعور يتغير مع ظهور تفاصيل العمل، إذ يرى أنه يحولها "من ألم إلى أمل، ومن موت إلى حياة".
ذاكرة لا تذوب
وتخشى العائلة أن تنتهي بعض هذه المخلفات في أفران الصهر، فتختفي معها قصصها. لذلك تحاول الاحتفاظ بها وإعادة تشكيلها، مع الإبقاء على ما يربطها بماضيها.
ولا يعرف أفراد العائلة دائما قصة كل قذيفة تصل إليهم أو المكان الذي جاءت منه، لكنهم يتعاملون معها بوصفها شاهدا على مرحلة عاشتها البلاد.
ويلخص باسل بقبوق الفكرة بقوله إنهم يريدون تحويل القطعة التي كانت مرتبطة "بالدمار والألم" إلى عمل فني يذكّر الأجيال بما حدث في سوريا.
وهكذا، بين النحاسيات والفوانيس في محل دمشقي قديم، لا تختفي أدوات الحرب تماما، بل تتغير وظيفتها: من قطع صنعت للموت إلى أعمال يدوية تحاول الاحتفاظ بالذاكرة، ولكن بصورة تحمل قدرا من الأمل.