يكشف تقرير بحثي حديث عن تراجع مقلق في علاقات الصداقة بين الشباب في إنجلترا، مع ارتفاع نسبة من يقولون إنهم لا يملكون أي أصدقاء مقربين، وتراجع الرضا عن العلاقات الاجتماعية، وسط شعور متزايد بالانفصال عن الأقران والمجتمع.

وبحسب تقرير "الجيل الأكثر وحدة"، الذي نشره معهد أبحاث السياسات العامة البريطاني "IPPR" في الأول من سبتمبر 2026، قال واحد من كل 20 شابا تتراوح أعمارهم بين 16 و21 عاما إنه لا يملك أي أصدقاء مقربين، مقارنة بواحد من كل 100 قبل أكثر من عقد، ما يمثل ارتفاعًا بمقدار خمسة أضعاف.

أصدقاء أقل وعلاقات أضعف

لا تقتصر المشكلة على الشباب الذين لا يملكون أصدقاء مقربين. فقد أظهر تحليل المعهد لبيانات دراسة "Understanding Society" أن نسبة من تتراوح أعمارهم بين 16 و21 عاما ولديهم 3 أصدقاء مقربين على الأقل تراجعت من 85 بالمئة خلال الفترة 2012-2014 إلى 72 بالمئة خلال 2023-2025.

كما تراجعت جودة الصداقات من وجهة نظر الشباب أنفسهم. وانخفضت نسبة من تتراوح أعمارهم بين 14 و15 عاما الذين قالوا إنهم "سعداء تماما أو جدا" بصداقاتهم من 86 بالمئة إلى 76 بالمئة خلال الفترة نفسها.

ويرى التقرير أن هذه المؤشرات تعكس اتساع ما وصفه بـ"الانفصال"، إذ يشعر عدد متزايد من الشباب بالابتعاد عن أنفسهم وعن أقرانهم وعن المجتمع والمؤسسات المحيطة بهم.

جيل زد.. لماذا أصبحت الصداقة الحقيقية أصعب؟

الشاشات ليست السبب الوحيد

لا يختزل التقرير الأزمة في استخدام الهواتف أو مواقع التواصل الاجتماعي، بل يضعها ضمن مجموعة من التحولات التي أثرت في تجربة النمو خلال العقد الماضي، من بينها سنوات التقشف، وتداعيات جائحة كورونا، والتوسع في استخدام المنصات الرقمية، وتراجع خدمات الشباب والمساحات المجانية التي كانت تتيح لهم اللقاء والتفاعل وجهًا لوجه.

وأشار التقرير إلى أن هذه الاتجاهات بدأت قبل جائحة كورونا، لكن الوباء سرّع بعضها، خصوصًا قضاء وقت أطول أمام الشاشات، وتغير طبيعة الصداقات، وتراجع فرص التواصل المباشر.

وبالاستناد إلى بيانات هيئة الاتصالات البريطانية "Ofcom"، يقضي الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و17 عامًا نحو ست ساعات ونصف الساعة يوميًا على الإنترنت، غالبًا عبر منصات مثل يوتيوب وتيك توك وإنستغرام وسناب شات.

وبرز "التصفح القهري" للأخبار والمحتوى السلبي، المعروف باسم "doomscrolling"، باعتباره أحد أكثر الأنشطة التي قال المشاركون إنهم يمضون وقتهم فيها خارج ساعات الدراسة والعمل. واعتبر التقرير أن هذا النشاط الفردي قد يترك مساحة أقل لبناء العلاقات المباشرة والحفاظ عليها.

أخبار ذات صلة

منصات التواصل والصحة العقلية.. هذا ما تحاول "ميتا" إخفاءه
دراسة تكشف حلا "صحيا" للتعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي

ضغوط نفسية متزايدة

تتزامن أزمة الصداقة مع مؤشرات مقلقة مرتبطة بالصحة النفسية. ووفق تحليل بيانات الفئة العمرية بين 16 و24 عاما، بلغت نسبة الشابات اللواتي وصلن إلى العتبة المحددة للضيق النفسي في أداة قياس معتمدة 47 بالمئة، مقابل 36 بالمئة بين الشبان.

ولا تعني هذه النسب بالضرورة تشخيص المشاركين باضطرابات نفسية، لكنها تشير إلى مستويات مرتفعة من القلق والمزاج المنخفض والضغط الاجتماعي.

كما ارتفعت نسبة الشباب الذين قالوا إن حالتهم النفسية جعلتهم ينجزون أقل خلال الأسابيع الأربعة السابقة من 4.1 بالمئة في 2010-2012 إلى 16.8 بالمئة خلال 2023-2025.

أكثر من 150 شابا

اعتمد التقرير على تحليل بيانات رسمية، من بينها دراستا "Understanding Society" و"Family Resources Survey"، إلى جانب 13 ورشة نوعية معمقة شارك فيها أكثر من 150 شابًا تتراوح أعمارهم بين 11 و24 عامًا من مناطق مختلفة في إنجلترا.

وخلص الباحثون إلى أن تراجع الصداقات لا يمكن فصله عن صعوبة الانتقال إلى حياة البالغين، وارتفاع كلفة السكن، وتراجع فرص العمل والتدريب، واختفاء عدد من المساحات والخدمات التي كانت تساعد الشباب على تكوين علاقات مستقرة.

ودعا المعهد إلى وضع مقاربة جديدة تشمل التعليم والعمل والسكن والصحة، وتعيد بناء المؤسسات والمساحات والفرص التي تمنح الشباب القدرة على تكوين علاقات حقيقية والشعور بالاستقلال والانتماء.