15 عاما مرت منذ خرج آلاف الشباب التونسيين إلى الشوارع وهم يحملون أحلاما أكبر من قدرتهم على الانتظار. كانوا يريدون عملا وحرية وكرامة، وكانوا يعتقدون أن سقوط النظام القديم سيمنحهم بداية مختلفة.
لكن عدسة المصور التونسي زياد بن رمضان تروي اليوم فصلا آخر من تلك الحكاية.
في صور بالأبيض والأسود، لا يبحث بن رمضان عن لحظة الثورة نفسها، ولا عن الشعارات التي ملأت الشوارع عام 2011، بل عن الأشخاص الذين كبروا بعدها. شباب بدأوا حياتهم مع الثورة، ثم وجد كثير منهم أنفسهم أمام البطالة، وضيق الأفق، والهجرة، وأسئلة الهوية والمستقبل.
هذه الوجوه هي محور مشروعه الفوتوغرافي الذي تعرض أعمال منه في باريس ضمن معرض "تحت الشمس نفسها"، حيث تحولت صور الشواطئ والأحياء والوجوه التونسية إلى شهادة بصرية على جيل عاش بين وعود التغيير وواقع أكثر تعقيدا.
جيل بدأ حياته مع الثورة
يقول بن رمضان، وفق تقرير لصحيفة "لوموند" الفرنسية، إن فكرته كانت تصوير الشباب الذين "بدأوا حياتهم مع الثورة".
لم يكن المقصود توثيق السياسة بمعناها المباشر، وإنما تسجيل ما فعلته سنوات ما بعد الثورة بالناس أنفسهم.
فالجيل الذي كان في مرحلة المراهقة أو في بدايات شبابه عام 2011 أصبح اليوم في العشرينيات والثلاثينيات، وهي الأعمار التي يفترض أن يبدأ فيها بناء حياته المهنية والعائلية. لكن بالنسبة إلى كثيرين، جاءت السنوات اللاحقة محملة بصعوبات اقتصادية وبطالة مرتفعة وانسداد في الآفاق.
وتشير "لوموند"، استنادا إلى بيانات البنك الدولي، إلى أن البطالة بين التونسيين الذين تقل أعمارهم عن 24 عاما تقترب من 40 بالمئة.
خلف هذا الرقم توجد قصص فردية كثيرة، بعضها التقطته كاميرا بن رمضان قبل أن يغادر أصحابها تونس لاحقا نحو فرنسا أو كندا ودول أخرى.
لماذا الأبيض والأسود؟
اختيار الأبيض والأسود ليس مجرد قرار جمالي، إذ يرى بن رمضان أنه يساعده على التخلص من التفاصيل والألوان التي قد تشتت العين، ويدفع المشاهد إلى التركيز على الأشخاص وما تحمله ملامحهم من مشاعر.
والنتيجة صور تبدو أحيانا هادئة، لكنها تخفي توترا واضحا: شباب على الشواطئ، أجساد تنظر نحو البحر، وجوه معلقة بين مكان تنتمي إليه وحياة ربما تتخيلها في مكان آخر.
البحر نفسه يتحول في بعض الصور إلى رمز مزدوج؛ فهو جزء من الحياة اليومية في تونس، لكنه في الوقت ذاته المسافة التي تفصل كثيرين عن أوروبا، الوجهة التي تحولت بالنسبة إلى عدد من الشباب إلى مرادف لفرصة جديدة.
الثورة بعيدا عن السياسة
ما يمنح المشروع خصوصيته أنه يعيد قراءة الثورة التونسية من خارج القصور والبرلمانات والأحزاب.
لا يظهر السياسيون في مركز الصورة، ولا تتصدرها الخطب والانتخابات. السؤال هنا أكثر بساطة وقسوة: ماذا حدث للجيل الذي قيل له إن مستقبله سيبدأ بعد الثورة؟
ومن خلال هذا السؤال، تصبح البطالة والهجرة والهوية امتدادا لقصة سياسية بدأت قبل سنوات، لكنها تُروى هذه المرة عبر حياة الأشخاص وليس عبر بيانات الحكومات.
تونس بين صورتين
المعرض يضع أعمال بن رمضان المعاصرة في حوار مع صور التقطها المصور الألماني هربرت ليست لتونس في ثلاثينيات القرن الماضي.
وبين الصورتين، تفصل عقود طويلة، لكن المكان يبقى حاضرا: الساحل، والبحر، وضوء المتوسط، والناس.
غير أن تونس التي يصورها بن رمضان ليست بطاقة بريدية سياحية.
إنها بلد ينظر فيه جيل كامل إلى المستقبل وهو يحمل إرث ثورة وعدته بالكثير، بينما لا يزال كثير من أبنائه يبحثون عن المكان الذي يمكن أن تتحقق فيه تلك الوعود.
وهنا ربما تكمن قوة الصور: فهي لا تعلن أن الثورة نجحت أو فشلت، ولا تقدم إجابة سياسية جاهزة، بل تترك وجوه الشباب تطرح السؤال وحدها.. بعد كل هذه السنوات.. ماذا بقي من أحلام 2011؟