أثارت جولتان ميدانيتان أجراهما محافظ قنا ونائب بمجلس الشيوخ داخل مستشفيين حكوميين في مصر موجة واسعة من الجدل، بعدما وثقت مقاطع مصورة انتقادات حادة لأداء المستشفيين وقرارات فورية بحق مسؤولين.

هذا الأمر الذي دفع نقابة الأطباء إلى التصعيد عبر تقديم شكاوى رسمية إلى رئيس الحكومة مصطفى مدبولي وإلى مجلس الشيوخ، معتبرة أن ما جرى يمثل تجاوزا للأطر القانونية والإدارية في محاسبة العاملين داخل المنشآت الصحية.

وشهدت الأزمة تفاعلا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي، بين مؤيد لضرورة الرقابة الميدانية والمحاسبة الفورية لتحسين الخدمات الصحية، وآخرين اعتبروا أن معالجة أزمات القطاع الصحي لا تتم عبر التعنيف العلني أو التصوير داخل المستشفيات، وإنما من خلال معالجة أسباب القصور الهيكلية.

ماذا حدث في جولات المستشفيات؟

في قنا بأقصى صعيد مصر، فاجأ محافظ قنا اللواء مصطفى الببلاوي الأطباء العاملين بمستشفى قنا العام بجولة تفقدية للاطلاع على سير العمل ومستوى الخدمات الطبية المقدمة للمرضى، حيث أبدى استياءه من مستوى الخدمات والأوضاع داخل المستشفى، وأصدر سلسلة من القرارات الإدارية شملت إقالة مدير المستشفى ونقل مدير الشؤون الإدارية إلى مستشفى آخر، وإحالة مسؤول الدفاتر والمخازن إلى الشؤون القانونية للتحقيق.

وفي ذات السياق، وجه المحافظ بتوقيع جزاءات على شركة النظافة لعدم التزامها بالاشتراطات الصحية، مع تكثيف أعمال التعقيم اليومية، وإنشاء أماكن انتظار ومقاعد للمرضى وذويهم، واستغلال المساحات المتاحة لتيسير الحركة داخل المستشفى، مشدداً على ضرورة عدم تحميل المرضى تكلفة شراء أي أدوية أو مستلزمات طبية من خارج المستشفى.

وفي واقعة أخرى، أثارت جولة أجراها عضو مجلس الشيوخ وليد زيتون داخل مستشفى برج البرلس المركزي بمحافظة كفر الشيخ جدلاً واسعاً، بعد تداول مقطع فيديو ظهر فيه وهو يوجه انتقادات حادة للأداء داخل قسم الاستقبال، كما أظهر الفيديو النائب وهو يجري اتصالاً هاتفياً بأحد المسؤولين، قائلا بانفعال: "والله ما أنا ماشي إلا ما أعمل محضر، حرام اللي بيحصل"، منتقداً ما وصفه بعدم متابعة حالة المرضى بالمستشفى.

ورداً على الواقعتين، أرسلت نقابة الأطباء المصرية خطابا رسميا إلى رئيس الحكومة، أعربت فيه عن رفضها لما وصفته بتعنيف مدير

مستشفى قنا العام علنا، وما أعقبه من قرار بإقالته، مؤكدة في الوقت ذاته أن تحميل مدير المستشفى مسؤولية أزمات المنظومة الصحية لن يوفر مستلزمات طبية أو يعالج نقص الأطباء والتمريض أو يزيد عدد الأسرة أو يصلح الأجهزة المعطلة، وأن اختزال مشكلات القطاع الصحي في مسؤول واحد يمثل معالجة غير منصفة لأزمات ممتدة.

مصر.. انخفاض ملحوظ في معدلات الإصابة والوفيات بمرض السرطان

أخبار ذات صلة

وفاة الفنان المصري محمد الشرشابي بعد صراع مع المرض
موجة الحر تختبر شبكة الكهرباء في مصر.. ماذا حدث؟

وتساءلت النقابة في بيان حصل عليه موقع "سكاي نيوز عربية"، عما إذا كان مدير المستشفى مسؤولاً عن نقص المستلزمات الطبية أو العجز في الكوادر البشرية أو تحديد ميزانية الصحة، مؤكدة أن هذه الملفات تتجاوز صلاحياته، مطالبة بضرورة "إجراء حصر شامل لاحتياجات المستشفى والتنسيق مع الجهات المختصة لتوفيرها، ثم تقييم أداء الإدارة وفق مؤشرات واضحة وقواعد الحوكمة، بعيداً عن مشاهد التعنيف العلني".

كما اعترضت النقابة على التصوير داخل المستشفيات مطالبة بفتح تحقيق في الواقعة، مؤكدة أن محاسبة المسؤولين يجب أن تتم وفق الأطر القانونية والإدارية، وليس من أجل "الشو الإعلامي"، معتبرة أن التصوير داخل المستشفى خلال الجولة يمثل مخالفة لقرار وزير الصحة المنظم للتصوير داخل المنشآت الصحية.

وفي السياق ذاته، تقدمت النقابة بشكوى إلى رئيس مجلس الشيوخ ضد النائب الذي أجرى الجولة داخل مستشفى برج البرلس، متهمة إياه بالتصوير داخل المنشأة الصحية بالمخالفة للضوابط، بما يمثل انتهاكاً لخصوصية المرضى والأطقم الطبية، مؤكدة أن "مثل هذه الممارسات تفتح الباب أمام تحويل المستشفيات إلى ساحات للاستعراض الإعلامي بدلاً من أن تظل أماكن لتقديم الرعاية الصحية، مشددة على أن معالجة أوجه القصور يجب أن تتم عبر القنوات الرقابية والإدارية الرسمية".

الأوضاع في المستشفيات

من جانبه، قال المدير التنفيذي للمركز المصري للحق في الدواء، محمود فؤاد، في تصريحات لوقع "سكاي نيوز عربية"، إن "من حق المحافظ، باعتباره المسؤول التنفيذي الأول داخل إقليمه، إجراء جولات ميدانية على مختلف المرافق العامة، بما فيها المستشفيات، لمتابعة مستوى الخدمات والتأكد من كفاءة الأداء، وهذه الصلاحيات تندرج ضمن ولايته الإدارية، حتى وإن كانت سلطة تعيين أو نقل مديري المستشفيات تظل من اختصاص وزارة الصحة".

وأضاف أن "المحافظ قد يتحرك استناداً إلى شكاوى أو تقارير أو معلومات تتعلق بوجود قصور في الخدمة، والنزول الميداني للمستشفيات سلوك إيجابي يهدف إلى متابعة الأداء، بينما يظل اتخاذ قرارات إدارية بحق القيادات الصحية مسألة تخضع للإجراءات والاختصاصات القانونية".

أما فيما يتعلق بجولة نائب البرلمان، أوضح "فؤاد" أن "عضو مجلس النواب يمثل الشعب بأكمله وفقاً للدستور، ومن ثم فإن من حقه متابعة أوضاع أي مرفق خدمي وإثارة ما يرصده من مشكلات"، متوقعاً تكرار مثل هذه الزيارات في ظل التحديات التي يواجهها القطاع الصحي.

وبشأن اعتراض نقابة الأطباء على تصوير الجولات داخل المستشفيات، أشار إلى أن "وزارة الصحة لديها ضوابط خاصة بالتصوير"، لكنه يرى أن توثيق أوجه القصور داخل المنشآت الصحية لا يمثل مخالفة في حد ذاته، طالما لا ينتهك خصوصية المرضى أو يكشف هوياتهم أو أوضاعهم الصحية.

وأضاف أن "حماية خصوصية المرضى أمر لا خلاف عليه، ولذلك لا يجوز تصوير المرضى أو الأطفال أو السيدات داخل أماكن تلقي العلاج، أما تصوير بيئة العمل أو مناقشة أوجه القصور في الخدمات الصحية فلا يتعارض مع مبدأ الرقابة على أداء المرافق العامة"، لافتاً إلى أن مسؤولي وزارة الصحة المصرية أنفسهم يجرون جولات تفقدية دورية يتم خلالها رصد أوجه القصور واتخاذ إجراءات إدارية بحق المقصرين.

واعتبر أن "الأزمة الحقيقية تكمن في الضغوط التي يعانيها القطاع الصحي وما يترتب على ذلك من زيادة الإقبال على المستشفيات الحكومية وطوابير الانتظار ونقص بعض المستلزمات والأدوية"، معتبراً أن معالجة هذه التحديات تتطلب التركيز على تحسين الخدمة أكثر من الجدل حول الجولات التفقدية أو توثيقها إعلاميا.