في خطوة استثنائية فرضتها الظروف الأمنية التي تعيشها البلاد، قرر مجلس الوزراء اللبناني إلغاء الامتحانات الرسمية لشهادة الثانوية العامة بفروعها الأربعة و"البكالوريا الفنية" للعام الدراسي 2025-2026، والاستعاضة عنها بمنح إفادات نجاح للطلاب النظاميين، في قرار أثار جدلا واسعا بين مؤيدين اعتبروه ضرورة فرضتها الحرب، ومعارضين حذروا من تداعياته على المستوى الأكاديمي ومستقبل الطلاب.

وجاء القرار خلال جلسة لمجلس الوزراء عقدت الجمعة في قصر بعبدا برئاسة رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون وحضور رئيس الحكومة نواف سلام والوزراء، استنادا إلى تقييم الواقع الأمني والتربوي في البلاد، وما خلّفته الحرب من تفاوت كبير في فرص التعليم بين المناطق اللبنانية.

خلفيات القرار

أكدت وزيرة التربية والتعليم العالي ريما كرامي، في حديث خاص لموقع "سكاي نيوز عربية"، أن قرار إلغاء الامتحانات الرسمية جاء بعد تقييم أمني دقيق للواقع الميداني، مشددة على أن الوزارة والحكومة كانتا على استعداد كامل لإجرائها، إلا أنهما لم تتمكنا من الحصول على ضمانات كافية تتيح تنظيمها بأمان لجميع الطلاب.

وأضافت أن الوزارة أبقت خيار إجراء الامتحانات قائما حتى اللحظات الأخيرة، وكانت تستكمل التحضيرات الإدارية والتربوية واللوجستية على أمل تحسن الظروف الأمنية، قبل أن تفرض التطورات الميدانية اتخاذ قرار الحسم.

فرحة في الشارع الطلابي

فور إعلان القرار، عمت أجواء الفرح ساحة رياض الصلح في بيروت، حيث تجمع عشرات الطلاب بالتزامن مع انعقاد جلسة مجلس الوزراء للمطالبة بإلغاء الامتحانات الرسمية، معتبرين أن الحرب والنزوح والانقطاع المتكرر عن الدراسة جعلت إجراء الامتحانات أمرا غير عادل.

ووفق كرامي فإن وزارة التربية كانت قد أعدّت خططا ميدانية لتحديد أماكن وجود الطلاب وإنشاء مراكز امتحانات في المناطق الآمنة، إضافة إلى سيناريوهات بديلة للطلاب الذين قد يتعذر عليهم الوصول إلى الامتحانات في موعدها المحدد.

وأوضحت أن الوزارة اعتمدت مقاربة مشابهة خلال العام الماضي بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية، إلا أن استمرار التوترات الأمنية وعدم استقرار الأوضاع حالا دون توفير الضمانات اللازمة لإجراء الامتحانات هذا العام.

ومنذ اندلاع المواجهات العسكرية، تعرض القطاع التربوي اللبناني لواحدة من أصعب الأزمات في تاريخه الحديث، فآلاف الطلاب نزحوا من منازلهم، فيما تضررت مدارس وأقفلت أخرى أبوابها لفترات طويلة، واضطرت مؤسسات تعليمية إلى اعتماد التعليم عن بعد أو تقليص المناهج الدراسية.

كما تفاوتت قدرة الطلاب على متابعة دراستهم بين منطقة وأخرى، ما أثار مخاوف من غياب تكافؤ الفرص في حال إجراء الامتحانات بالشكل التقليدي.

أخبار ذات صلة

لبنان يكشف وضع جاليته في فنزويلا بعد الزلزالين
3 ساعات بين اللبنانيين وإيبولا.. كيف يواجهون الخطر بالكونغو؟

بين الضرورة والمخاوف

رفضت كرامي الانتقادات التي اعتبرت أن الوزارة تأخرت في حسم الملف، مؤكدة أن إبقاء الامتحانات مطروحة حتى الفترة الأخيرة لم يكن تلاعبا بمشاعر الطلاب، بل جزءا من الحرص على استكمال العملية التعليمية وإبقاء الفرصة قائمة أمام إجراء الاستحقاق إذا ما تحسنت الظروف.

وأشارت إلى أن التحضير للامتحانات يشكل بحد ذاته جزءا من المسار التعليمي، ولا سيما بالنسبة لطلاب المرحلة الثانوية الذين يستعدون للانتقال إلى التعليم الجامعي أو سوق العمل.

ورغم تفهم شريحة واسعة من اللبنانيين للقرار، لا تزال المخاوف قائمة بشأن انعكاساته الأكاديمية، خصوصا أن الإفادات لا تشكل بالنسبة إلى بعض الجامعات الدولية بديلا كاملا عن الشهادة الرسمية.

كذلك يحذر تربويون من أن اعتماد العلامات المدرسية وحدها قد يفتح الباب أمام تفاوت في معايير التقييم بين المدارس، ويؤدي إلى فجوات تعليمية ستتحمل الجامعات مسؤولية معالجتها لاحقا.

لكن في المقابل، يرى مؤيدو القرار أن إجراء امتحانات وطنية موحدة في ظل النزوح والانقطاع عن الدراسة والتفاوت الكبير بين المناطق كان سيؤدي إلى ظلم شريحة واسعة من الطلاب.

واعتبر النائب فراس حمدان، في حديث لـموقع "سكاي نيوز عربية"، أن القرار كان "حكيما وواقعيا"، مؤكدا أن البلاد لم تكن تملك رفاهية خيارات أخرى في ظل الظروف الأمنية القائمة.

وأوضح قائلا: "لم يعد هناك تكافؤ فرص بين الطلاب. فهناك مناطق تمكن طلابها من متابعة الدراسة بشكل شبه طبيعي، فيما عاش آخرون تجربة النزوح أو فقدوا منازلهم أو بقوا عالقين في بلداتهم الحدودية غير قادرين على التنقل".

وتابع حمدان قائلا إن العامل النفسي كان حاسماً أيضا، موضحا أن كثيرا من الطلاب عاشوا ظروفا قاسية نتيجة الحرب وفقدان الأحبة أو النزوح القسري، ما جعل إجراء الامتحانات أمرا بالغ الصعوبة.

وردا على الانتقادات المرتبطة بجودة التعليم، شدد حمدان على أن ربط القرار بتراجع المستوى الأكاديمي "ليس دقيقا"، معتبرا أن الأولوية في هذه المرحلة هي حماية الطلاب وضمان العدالة بينهم.

ماريا.. حرب الجنوب تسرق دفء العائلة
حفل موسيقي في باريس لجمع التبرعات دعما للبنان

عبء إضافي على الجامعات

رأى عميد الشؤون الأكاديمية والعلاقات الدولية في جامعة بيروت العربية الدكتور صبحي أبو شاهين أن القرار كان متوقعا ومفهوما بالنسبة إلى معظم الجامعات اللبنانية، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي عاشها الطلاب في مناطق الحرب.

وبيّن أبو شاهين في حديث لموقع "سكاي نيوز عربية" أن القرار متوازن إلى حد بعيد، لكنه سينقل جزءا من المسؤولية إلى الجامعات التي ستضطر إلى معالجة الفجوات التعليمية الناتجة عن عدم استكمال بعض الطلاب للمناهج، خصوصا في المواد العلمية.

ولفت إلى أن الجامعات قد تحتاج إلى إجراء اختبارات تقييمية للطلاب الجدد للكشف عن أي نقص أكاديمي، ومن ثم توفير برامج استدراكية تساعدهم على استكمال المعارف المطلوبة قبل الانخراط الكامل في اختصاصاتهم.

كما اعتبر أبو شاهين أن قرار عدم منح إفادات للمرشحين من الطلبات الحرة كان منصفا، لأن هؤلاء لم يخضعوا للتقييم المدرسي الذي استندت إليه الإفادات.

وأشاد كذلك بإقرار الدورة الاستثنائية التي تتيح للطلاب الراغبين بالحصول على شهادة رسمية أو تحسين أوضاعهم الأكاديمية فرصة التقدم للامتحانات.

ووفقا لأبو شاهين فإن عددا من الجامعات الخارجية قد يقبل الإفادات طالما أنها صادرة بقرار رسمي عن الدولة اللبنانية، إلا أن بعض الحالات ستظل بحاجة إلى الشهادة الرسمية، وهو ما يبرر فتح باب الدورة الاستثنائية.

الأمن أولا

شدد الخبير التربوي وأستاذ الجامعة اللبنانية الدكتور حسين عبد الحليم على أن القطاع التربوي كان من أكثر القطاعات تأثرا بالتطورات الأمنية، معتبرا أن العملية التعليمية دخلت عمليا "غرفة العناية المركزة" منذ بداية الأحداث الأمنية، حيث بدأت النقاشات حول حجم المنهج الذي يمكن تدريسه والتعديلات الممكنة على البرامج الدراسية.

وأكد عبد الحليم على أن الامتحانات الرسمية تحتاج إلى بيئة آمنة أمنيا واجتماعيا وإداريا، وأن أي مخاطرة بأمن الطلاب تبقى مرفوضة مهما كانت محدودة.

واسترسل قائلا إن إلغاء الشهادة الرسمية ليس أمرا جديدا في لبنان، إذ سبق أن حصل خلال جائحة كورونا وفي مراحل سابقة من الحرب، مشيرا إلى أن التجارب السابقة أظهرت أن الغالبية العظمى من الطلاب تمكنت من متابعة تعليمها الجامعي رغم بعض الصعوبات التي واجهها عدد محدود منهم في جامعات تشترط الشهادة الرسمية.

وختم عبد الحليم بالقول إن القرار الحالي "واقعي أكثر منه مثاليا، لكنه يشكل المخرج المتاح في ظل الظروف الراهنة".