أثارت شهادة نشرتها طبيبة مصرية على "فيسبوك" موجة واسعة من الجدل والتفاعل، بعدما تحدثت عن وقائع وصفتها بـ"الصادمة" داخل مستشفى الشاطبي الجامعي بالإسكندرية، أحد أكبر المستشفيات المتخصصة في رعاية النساء والولادة في مصر، ما استدعى تحركا رسميا ونقابيا وبرلمانيا.
وتضمنت الشهادة التي تداولها آلاف المستخدمين على منصات التواصل الاجتماعي اتهامات تتعلق بطريقة التعامل مع بعض المريضات داخل غرف الولادة، حيث تحدثت الطبيبة عن وقائع قالت إنها شملت إساءات لفظية ونفسية، وتجاوزات مهنية وأخلاقية بحق عدد من السيدات أثناء تلقيهن الرعاية الطبية.
ودفعت تلك الشهادة التي تبعتها شهادات من أطباء آخرين، الجهات الرسمية لفتح تحقيق عاجل، إذ قالت جامعة الإسكندرية إنها تتابع ما تم تداوله "بمنتهى الجدية والمسؤولية"، مشددة على أن "كرامة المريض وسلامته والحفاظ على أخلاقيات المهنة تمثل مبادئ راسخة لا تقبل التهاون".
وأوضحت الجامعة أن جميع الادعاءات المتداولة تخضع حاليا للفحص والتحقيق من الجهات المختصة بكلية الطب، مؤكدة أن "أي تجاوز يثبت حدوثه سيتم التعامل معه بكل حزم ودون تستر أو استثناء"، لكنها طالبت في ذات الوقت بضرورة "عدم استباق نتائج التحقيقات أو إصدار أحكام مسبقة، مع احتفاظها بحقها القانوني في اتخاذ الإجراءات اللازمة إذا ثبت عدم صحة الادعاءات أو تعمد نشر معلومات غير صحيحة بقصد الإساءة أو إثارة البلبلة".
نقابة الأطباء على خط الأزمة
ودخلت نقابة الأطباء المصرية على خط الأزمة، بالتأكيد على "حرصها الكامل على صون كرامة المرضى واحترام حقوقهم، وأن كرامة المريض جزء لا يتجزأ من مبادئ ممارسة المهنة التي نسعى جميعا إلى ترسيخها وتعزيزها"، داعية في الوقت ذاته "كل من يمتلك معلومات أو أدلة أو تعرض لواقعة تستوجب التحقيق إلى تقديم شكوى رسمية موثقة إلى نقابة الأطباء، أو إدارة المستشفى، أو كلية الطب بجامعة الإسكندرية، أو الجهات الرقابية المختصة، أو النيابة العامة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة".
وبدوره، قال الأمين العام المساعد لنقابة الأطباء المصرية الدكتور خالد أمين، في تصريحات لموقع "سكاي نيوز عربية"، إن "النقابة لم تتلق حتى الآن أي شكاوى أو بلاغات رسمية تتعلق بالوقائع المتداولة بشأن مستشفى الشاطبي الجامعي بالإسكندرية، لكن عددا من الأشخاص تواصلوا مع النقابة وأبدوا رغبتهم في إرسال شهادات أو معلومات حول ما أثير خلال الساعات الماضية".
وأضاف أمين والذي يعمل استشاريا لأمراض النساء والتوليد، أن "النقابة حريصة على فتح تحقيق جاد في أي وقائع قد تتضمن تجاوزات، إلا أن ذلك يتطلب وجود بيانات وشهادات موثقة يمكن الاستناد إليها، خاصة أن ما تم تداوله حتى الآن عبر مواقع التواصل الاجتماعي لا يتضمن أسماء أو وقائع محددة أو معلومات كافية تسمح ببدء تحقيق نقابي مكتمل الأركان".
ولفت أمين إلى متابعة النقابة مع إدارة المستشفى وجامعة الإسكندرية ما يتم اتخاذه من إجراءات والتحقق من صحة ما أُثير من شهادات، مؤكدا أن "الهدف الأساسي هو الحفاظ على حقوق المرضى وصون كرامتهم، وفي الوقت نفسه ضمان الوصول إلى الحقيقة كاملة".
واعتبر أمين أنه "لا يمكن الجزم بصحة أو عدم صحة الاتهامات المتداولة قبل انتهاء التحقيقات، إذ أن ما يُثار قد يكون مبالغا فيه أو غير دقيق، وقد يثبت في المقابل وجود وقائع حقيقية تستوجب المحاسبة"، لكنه في ذات الوقت قال إنه "في حال ثبوت حدوث تجاوزات، فمن المرجح أن تكون تصرفات فردية وليست ممارسات ممنهجة، خاصة أن الحديث يدور حول مستشفى عريق يعمل منذ عقود طويلة ويقدم خدماته لآلاف المرضى سنويا".
ويعد مستشفى الشاطبي الجامعي أحد أعرق الصروح الطبية والتعليمية المتخصصة في طب النساء والتوليد وصحة الأطفال في مصر، ويتبع كلية الطب بجامعة الإسكندرية، وجرى تدشينه عام 1955، ويخدم 4 محافظات كبرى هي الإسكندرية والبحيرة وكفر الشيخ ومطروح.
ووفقا لبيانات جامعة الإسكندرية، استقبل قسم النساء والتوليد بالمستشفى خلال عام 2025 أكثر من 24 ألف حالة طارئة، بينما تجاوز إجمالي العمليات والولادات 13.8 ألف حالة.
وشدد الأمين العام المساعد لنقابة الأطباء على أن "أفضل وسيلة لحسم الجدل الحالي تتمثل في إجراء تحقيقات شفافة وإعلان نتائجها للرأي العام بوضوح، بما يكفل كشف الحقيقة ومحاسبة أي شخص يثبت تورطه في تجاوزات، وفي الوقت نفسه حماية سمعة المؤسسات الطبية والعاملين بها إذا ثبت عدم صحة الاتهامات"، مؤكدا أن "النقابة لا تتهاون مع أي مخالفة مهنية أو أخلاقية تصدر عن أعضائها وسبق أن اتخذت إجراءات تأديبية بحق أطباء ثبت ارتكابهم مخالفات، وصلت في بعض الحالات إلى الإيقاف أو الشطب".
الجدل يصل البرلمان
ووصلت أزمة مستشفى الشاطبي إلى البرلمان المصري، إذ تقدم النائب عماد الغنيمي، بطلب إحاطة بشأن ما وصفه بـ"حالة التخبط الإداري وسوء الإدارة داخل مستشفى الشاطبي الجامعي"، مطالبا بسرعة تدخل وزارة التعليم العالي والجهات المعنية "لمراجعة الأوضاع الإدارية والفنية داخل المستشفى، واتخاذ الإجراءات اللازمة لتصحيح أي تجاوزات وضمان انتظام العمل".
كذلك طالب عضو لجنة القيم بمجلس الشيوخ، النائب عمرو رشاد، بفتح تحقيق عاجل وشفاف بشأن ما تم تداوله حول مستشفى الشاطبي، معتبرا أن "صحة المواطن المصري، وخاصة المرأة خلال مرحلة الولادة، تمثل أولوية قصوى ولا يجوز التهاون فيها".
وقالت عضو مجلس النواب نيفين إسكندر إنها تواصلت مع مسؤولي وزارة التعليم العالي، للمطالبة بالإسراع في إجراءات التحقيقات الجارية ومتابعتها، مؤكدة أنها "ستتابع الملف بشكل مباشر، وستلجأ إلى كافة الأدوات الرقابية والبرلمانية المتاحة لضمان كشف الحقيقة وحماية حقوق المواطنين".