لم تعد صورة إيران في السينما العالمية مرتبطة فقط بالبرنامج النووي أو الصواريخ الباليستية أو المواجهات الإقليمية، بل تحولت خلال العقود الأخيرة إلى مادة سينمائية غنية تناولت تفاصيل الحياة داخل إيران، من القمع السياسي والرقابة، إلى دور الأجهزة الأمنية، والاحتجاجات، وحتى الحياة اليومية تحت سلطة المرشد منذ أن وطأت قدماه إيران في الأول من فبراير عام 1979.

تنوعت خيارات الكتاب والمنتجين العالميين في نقل صورة الداخل الإيراني عبر الإنتاجات السينمائية، فبعض الأفلام اختارت المواجهة المباشرة مع النظام الإيراني، بينما فضلت مجموعة أخرى تقديم نقد أكثر هدوءا عبر قصص اجتماعية وإنسانية تعكس طبيعة المجتمع الإيراني وتعقيداته.

الثورة الإيرانية على الشاشة

من أبرز الأعمال التي تناولت مرحلة ما بعد الثورة الإيرانية فيلم Persepolis أو "بلاد فارس" المقتبس من السيرة الذاتية للكاتبة الإيرانية الفرنسية مرجان ساترابي والذي صدر في العام 2007.

الفيلم يروي قصة فتاة تكبر وسط التحولات التي أعقبت سقوط الشاه وقيام "الجمهورية الإسلامية"، وقدم صورة عن القيود الاجتماعية، والحرب العراقية الإيرانية، والتغيرات التي فرضتها السلطة الجديدة على المجتمع.

أما فيلم Argo "آرغو" الفائز بجائزتي غولدن غلوب، وثلاث جوائز أوسكار فركز على أزمة الرهائن الأميركيين في السفارة الأميركية بطهران عام 1979.

أخبار ذات صلة

طهران تحقق مع طاقم فيلم إيراني مشارك في مهرجان كان
مقتل المخرج الإيراني مهروجوئي وزوجته.. هذا ما كشفته الشرطة

السجون والأجهزة الأمنية

تسللت عدسات الكاميرات إلى عالم السجون والتحقيقات والأجهزة الأمنية الإيرانية.

فيلم Rosewater "روز ووتر" للمخرج والإعلامي الأميركي جون ستيوارت، استند إلى قصة حقيقية للصحافي الإيراني الكندي مازيار باهاري Maziar Bahari الذي اعتقل عام 2009 بعد توثيقه لأعمال العنف بحق المتظاهرين الذين احتجوا على نتيجة الانتخابات الرئاسية في بلدهم والتي عرفت باسم "الحركة الخضراء" والتي شهدت مقتل العشرات واعتقالات واسعة النطاق.

الفيلم عرض أساليب التحقيق والضغط النفسي داخل السجون الإيرانية، وكيف تنظر السلطات إلى الإعلام والناشطين السياسيين، وبعدما قضى باهاري 118 في سجن "إيفين" في طهران، تعرض للاستجواب والتعذيب النفسي من قبل محقق يشم رائحة "ماء الورد" باستمرار.

المرأة والمجتمع تحت القيود

لم تغب المرأة الإيرانية عن عالم الأفلام الإيرانية والعالمية.

فيلم Offside أو "حالة تسلل" تناول بأسلوب درامي كوميدي محاولة فتيات إيرانيات دخول ملعب كرة قدم رغم الحظر المفروض على النساء.

أما فيلم Holy Spider أو "عنكبوت مقدس" للمخرج الإيراني السويدي علي عباسي، فذهب إلى مساحة أكثر قتامة، مستعرضا قصة قاتل متسلسل استهدف نساء في مدينة مشهد، في عمل أثار جدلا واسعا بسبب تناوله للتطرف الديني والعنف ضد النساء.

كذلك، يعتبر فيلم The Stoning of Soraya M. "رجم ثريا" واحدا من أكثر الأعمال إثارة للجدل، بعدما تناول قضية رجم امرأة إيرانية حتى الموت، وهو مقتبس عن قصة حقيقية مأساوية وقعت في إيران.

ثريا رفضت الطلاق من زوجها علي من دون نفقة، لأنه كان يرغب بالزواج من فتاة أخرى تبلغ من العمر 14 عاما، يتواطأ الزوج مع عمدة القرية و"الملالي" لاتهام ثريا زورا بالخيانة الزوجية.

حكم على ثريا بالرجم حتى الموت، ونفذ الحكم بمشاركة أهالي القرية وحتى والدها وأبنائها، في مشهد يعد من أكثر المشاهد قسوة في عالم السينما

نقد هادئ للنظام

بعيدا عن المواجهة السياسية المباشرة، اختارت أفلام أخرى تقديم نقد غير معلن للنظام عبر الحياة اليومية للمواطنين.

فيلم A Separation، الحائز على جائزة الأوسكار، من تأليف وإخراج أصغر فرهادي قدم صورة عن البيروقراطية والضغوط الاجتماعية والدينية داخل المجتمع الإيراني، وتصادم القانون مع الأخلاق والدين في المجتمع الإيراني المعاصر.

أما المخرج الإيراني جعفر بناهي، الذي منع من صناعة الأفلام داخل إيران، فقد حول أعماله إلى مساحة احتجاج غير مباشرة ضد الرقابة، خصوصا في فيلم Taxi، الذي صُوّر سرا داخل طهران.

المخرج صور نفسه كسائق تاكسي يتجول في شوارع طهران، ويجري حوارات مع ركابه الذين يمثلون شرائح مختلفة من المجتمع الإيراني، مما كشف خبايا الحياة اليومية هناك.

في النهاية، تبدو السينما وكأنها تحولت إلى نافذة موازية لفهم إيران، نافذة لا تكتفي بالسياسة والخطابات الرسمية، بل تدخل إلى تفاصيل المجتمع والشارع والسجون والبيوت المغلقة.

فمن أفلام تناولت الثورة واقتحام السفارة الأميركية، إلى أعمال كشفت السجون والرقابة، وأخرى رصدت معاناة النساء والصدام اليومي مع القيود الدينية والاجتماعية، رسمت الشاشة صورة معقدة ومتعددة الأوجه للنظام الإيراني.

ورغم اختلاف المقاربات بين أفلام اختارت المواجهة المباشرة وأخرى فضلت النقد الهادئ، بقي القاسم المشترك بينها محاولة الإجابة عن سؤال واحد: كيف تبدو الحياة داخل دولة تحكمها الأيديولوجيا منذ أكثر من أربعة عقود؟