كشفت دراسة لبقايا بشرية عثر عليها في ثلاثة كهوف بجنوب إسبانيا عن أدلة على أكل لحوم البشر خلال العصر الحجري الحديث، في ممارسة يرجح الباحثون ارتباطها بطقوس جنائزية، وليس بالضرورة بالمجاعة أو الصراعات الدموية.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" عن الدراسة، حملت العظام آثار تقطيع وإزالة لحوم وتحطيم لاستخراج النخاع، فيما ظهرت على بعضها علامات يعتقد أنها ناتجة عن المضغ البشري.
وحلل الفريق 967 قطعة من البقايا البشرية تعود إلى 60 شخصا على الأقل، عاشوا خلال فترات امتدت بين عامي 5300 و3760 قبل الميلاد. وتشير النتائج إلى أن التعامل مع أجساد الموتى بهذه الطريقة تكرر عبر أجيال، ولم يقتصر على واقعة معزولة.
بدأت مسيرة البحث عام 1972، عندما شرع عالم الأنثروبولوجيا ميغيل بوتييا في دراسة كهف لاس ماخوليكاس، حيث عثر على أكوام من العظام البشرية القديمة.
وبعد عقود من البحث، قارن بوتييا وفريقه البقايا المكتشفة في هذا الكهف مع أدلة من كهفي مالامويرسو وكاريغيلا، لتتضح صورة أوسع لممارسات التعامل مع الموتى في المنطقة.
وفي كهف مالامويرسو، رصد الباحثون آثار أدوات استُخدمت لتقطيع الأجساد وفصل اللحم عن العظام، إلى جانب مؤشرات على الغلي والتحطيم. كما حملت بعض عظام الأطفال علامات يُعتقد أنها ناجمة عن المضغ البشري.
أما كهف كاريغيلا، فكشف عن استخدام جماجم بالغين وأطفال لصناعة أوعية تشبه الأكواب، فضلا عن تحويل عظام بشرية إلى أدوات، بينها مثاقيب وأزاميل مصنوعة من عظام الفخذ.
وتشير هذه المكتشفات إلى أن التعامل مع البقايا البشرية تجاوز استهلاك اللحوم إلى إعادة استخدامها لأغراض أخرى.
يرجح الباحثون أن أكل الموتى كان جزءا من الممارسات الجنائزية لدى هذه المجتمعات، لكنهم لا يقدمون هذا التفسير باعتباره حقيقة محسومة.
ويستند هذا الترجيح إلى مجموعة من القرائن، بينها تقارب تمثيل الذكور والإناث ووجود بالغين وأطفال ضمن البقايا في اثنين من الكهوف، وهو ما يراه الفريق أقرب إلى نمط يضم أفراد المجتمع بمختلف فئاته.
كما عُثر على عظام بشرية بجوار بقايا حيوانات تحمل آثار معالجة مماثلة، بما يدعم الاستدلال على تجهيز الأجساد للاستهلاك، وإن كان لا يحسم وحده أسباب الممارسة أو ظروف وفاة أصحابها.
ويعتقد بوتييا أن تناول لحوم الأقارب أو الأصدقاء ربما عبر عن رغبة في إبقائهم جزءا من حياة الأحياء، مع غياب أدلة قاطعة تثبت هذا المعنى الرمزي.
ولا يستبعد الباحثون وقوع أعمال عنف في بعض الحالات؛ إذ أظهرت بقايا شخصين إصابات محتملة ناجمة عن ضربات بأدوات غير حادة.
اعتمد سكان المنطقة أساسا على الزراعة والرعي، بما يشمل تربية الأغنام والماعز وزراعة القمح والشعير، ولم يكن أكل لحوم البشر نشاطهم الغذائي الرئيسي.
وتشير الأدلة إلى وجود أكثر من 12 كهفا آخر في جنوب إسبانيا يحمل آثارا مشابهة، ما يعزز احتمال انتشار هذه الممارسة على نطاق أوسع خلال العصر الحجري الحديث.
وتفتح النتائج بابا لفهم طرق تعامل المجتمعات القديمة مع الموت، مع بقاء الدوافع الدقيقة لهذه الممارسات ومعانيها موضع بحث.