تقرير جديد يدق ناقوس الخطر في أوروبا، كاشفا عن ارتفاع حاد في الوفيات والأزمات الصحية المرتبطة بالتغير المناخي، في ظل تصاعد تأثير موجات الحر وانتشار الأمراض وتزايد الضغوط على الأنظمة الصحية والغذائية.
وتعكس الأرقام الواردة في التقرير حجم التحدي الذي تواجهه القارة الأوروبية، إذ شهدت 99.6 بالمئة من مناطق أوروبا ارتفاعا ملحوظا في الوفيات المرتبطة بالحرارة، فيما ارتفعت التحذيرات الصحية من موجات الحر الشديد بنسبة 318 بالمئة.
كما زاد تعرض الرضع وكبار السن للحرارة بنسبة 254 بالمئة، إلى جانب ارتفاع ساعات النشاط البدني غير الآمن بنسبة 88 بالمئة.
ويشير التقرير كذلك إلى أن مليون شخص إضافي عانوا من انعدام الأمن الغذائي خلال عام 2023، بينما ارتفعت ملاءمة المناخ لانتشار حمى الضنك بنسبة 297 بالمئة، وأصبح موسم حبوب اللقاح أطول بأسبوعين، ما يزيد من المخاطر الصحية المرتبطة بالأمراض المعدية والحساسية.
وفي تعليقها على هذه الأرقام، قالت الخبيرة في شؤون البيئة والمناخ شادن دياب، في تصريحات لسكاي نيوز عربية، إن أوروبا تعاني حاليا من "توتر كبير في حالة الطقس"، مشيرة إلى أن القارة شهدت خلال الأسابيع الماضية درجات حرارة مرتفعة جدا، قبل أن تواجه في الأسبوع نفسه انخفاضا في درجات الحرارة وعواصف وأمطارا غزيرة.
وأضافت أن هذا "التقلب في الطقس يؤثر بشكل كبير على الغطاء النباتي والأمن الغذائي"، كما ينعكس على قدرة السكان والمدن على التأقلم مع الظروف المناخية المتغيرة، ويزيد من التحديات التي تواجهها المراكز الحضرية في التعامل مع الظواهر الجوية المتطرفة مقارنة بالأعوام السابقة.
مدن تحاول التكيف
وحول مدى استعداد الدول الأوروبية لمواجهة هذه التحديات، أوضحت دياب أن هناك "تفكيرا كبيرا الآن في تأقلم المدن مع تقلبات درجات الحرارة"، لافتة إلى أن الحكومات تعمل على تطوير خطط عمرانية جديدة تشمل العزل الحراري للمباني وتحسين البنية التحتية لمواجهة الحرارة المرتفعة.
وأضافت أن بعض المرافق العامة مثل المستشفيات والمدارس والجامعات بدأت تعتمد وسائل تبريد إضافية، إلا أن هذه الإجراءات ما تزال محدودة بسبب الاعتماد الكبير على الطاقة وارتفاع أسعار الكهرباء المرتبط بأزمة الطاقة والحرب، الأمر الذي يدفع السلطات إلى توخي الحذر في استخدام المكيفات على نطاق واسع.
وأكدت أن التحدي الأكبر يكمن في طبيعة الأبنية الأوروبية القديمة التي لم تصمم للتعامل مع موجات الحر الشديدة، ما يجعل عملية التكيف مع درجات الحرارة المرتفعة أكثر تعقيدا، سواء بالنسبة للسكان أو السياح الذين يقصدون القارة خلال فصل الصيف.
استجابة موسمية لا استراتيجية
وترى دياب أن الحكومات الأوروبية تمتلك خططا واستراتيجيات عمرانية للتعامل مع التغيرات المناخية، لكنها غالبا ما تتحرك بصورة أكبر أثناء الأزمات.
وقالت إن موجات الحر عادة ما تستمر "لبعض الأسابيع أو شهر أو شهرين خلال فترة الصيف"، وهو ما يدفع بعض الجهات إلى اعتبارها ظاهرة موسمية مؤقتة، الأمر الذي يحد من حجم الاستثمارات المخصصة للتكيف طويل الأمد.
وأضافت أن التفكير السائد يركز على تقييم جدوى الإنفاق مقارنة بمدة الأزمة، ما يجعل الاستجابة في كثير من الأحيان موسمية أكثر منها هيكلية أو استراتيجية، رغم تكرار موجات الحر عاما بعد آخر.
الوفيات والأمراض والأمن الغذائي
وعن أبرز المخاطر الناتجة عن التغير المناخي، شددت دياب على أن التهديد لا يقتصر على ارتفاع الوفيات فقط، بل يشمل أيضا تفاقم الأمراض وانعدام الأمن الغذائي.
وأشارت إلى أن فرنسا سجلت خلال الأسبوع الماضي وحده أكثر من ثماني وفيات بسبب ارتفاع درجات الحرارة، موضحة أن كبار السن والمرضى والمقيمين في المستشفيات يعدون من أكثر الفئات عرضة للخطر.
وأضافت أن ارتفاع الحرارة يزيد من معاناة المصابين بالأمراض المزمنة، ولا سيما أمراض القلب والجهاز التنفسي، ما يرفع الضغط على المستشفيات خلال فترات الحر الشديد.
كما حذرت من أن التقلبات الجوية المفاجئة تؤثر سلبا على المحاصيل الزراعية ومواسم الحصاد، ما يفاقم مشكلة الأمن الغذائي.
وأشارت إلى أن أوروبا تواجه في الوقت نفسه أخطارا متزايدة من الحرائق والفيضانات، حيث تؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى زيادة حرائق الغابات، بينما تتسبب الأمطار الغزيرة في ارتفاع منسوب الأنهار وحدوث فيضانات في مناطق عدة.
وأكدت أن المشكلة الأساسية تكمن في أن القارة أصبحت تشهد "تقلبات كبيرة في وقت قصير"، وهو ما ينعكس ليس فقط على الصحة العامة، بل أيضا على السلامة العامة وحياة السكان في المدن والأرياف على حد سواء.
وفي ختام حديثها، قدمت دياب مجموعة من النصائح للتعامل مع موجات الحر، من بينها بدء الأنشطة اليومية في ساعات الصباح الباكر، وتهوية المنازل مبكرا ثم إغلاق النوافذ والستائر خلال النهار، وتجنب تعريض الأطفال لأشعة الشمس في ساعات الذروة، إضافة إلى الإكثار من شرب المياه وتقليل الحركة والأنشطة الخارجية خلال الفترات الأكثر حرارة.