في شوارع بيروت، يتكرر كل صباح مشهد أطفال يتكدّسون على دراجات نارية في طريقهم إلى المدارس في أعمار صغيرة جدا، في مشهد بات مألوفا لدى اللبنانيين، لكنه ينطوي على مخاطر قد تكون عواقبها كارثية.
ومع ارتفاع كلفة النقل المدرسي وتراجع القدرة الشرائية للأسر، تحولت الدراجة النارية لدى بعض الأهالي إلى وسيلة نقل أقل كلفة، لكن ما يبدو حلاً يوميا لتوفير المال يضع حياة الأطفال على المحك، في بلد تتصاعد فيه أعداد ضحايا حوادث السير، وسط ضعف الرقابة وتراجع الالتزام بقواعد السلامة المرورية.
وتتعدد أسباب حوادث السير بين السرعة الزائدة وتشتت الانتباه واستخدام الهاتف أثناء القيادة، فضلا عن تدهور البنية التحتية في بعض الطرقات وانتشار الحفر وضعف الإنارة ونقص إشارات السلامة.
وفي حالة الدراجات النارية، تتضاعف المخاطر مع غياب الخوذة الواقية، وتجاوز عدد الركاب المسموح به، وقيادة أشخاص لا يحملون رخصاً قانونية، أو نقل أطفال لا تتناسب أعمارهم مع متطلبات السلامة.
أكثر من 400 قتيل منذ بداية 2026
لا تتوافر إحصاءات رسمية حديثة تفصل وفيات الأطفال الناتجة عن حوادث الدراجات النارية في بيروت وحدها، لكن المؤشرات العامة تكشف حجم الخطر على الطرقات اللبنانية.
ووفق معلومات حصلت عليها سكاي نيوز عربية من مصادر أمنية خاصة، تجاوز عدد قتلى حوادث السير في لبنان 400 شخص منذ بداية عام 2026 وحتى سبتمبر، فيما سقط نحو 30 قتيلاً خلال فترة قصيرة في أغسطس وسبتمبر.
وبحسب بيانات قوى الأمن الداخلي، ارتفع عدد حوادث السير من 1991 حادثا عام 2024 إلى 2680 حادثا عام 2025، بزيادة بلغت 34.6 في المئة. كما ارتفع عدد الجرحى من 2353 إلى 3177، بنسبة 34.7 في المئة، فيما زاد عدد القتلى من 389 إلى 451.
وخلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026، سُجل 962 حادث سير، أسفرت عن 142 قتيلا و1052 جريحا، وفق المصادر الأمنية نفسها.
وفي أحدث حصيلة ليوم 22 أكتوبر 2026، أفادت غرفة التحكم المروري التابعة لقوى الأمن الداخلي بوقوع 8 حوادث خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، أدت إلى سقوط قتيلين و6 جرحى.
وتشير بيانات متداولة إلى أن راكبي الدراجات النارية يشكلون نحو 36 في المئة من ضحايا حوادث السير، ما يعزز المخاوف من مخاطر هذه الوسيلة، خصوصاً عندما تُستخدم لنقل عائلات وأطفال.
أكثر من 774 ألف دراجة نارية
وفي حديث لسكاي نيوز عربية، قال الباحث في شركة الدولية للمعلومات للإحصاءات، محمد شمس الدين إن عدد الدراجات النارية المسجلة قانوناً في لبنان يبلغ نحو 374 ألفا، مقابل ما يقدر بنحو 400 ألف دراجة غير مسجلة.
وأوضح أن هذه التقديرات تستند إلى حركة استيراد الدراجات خلال السنوات الماضية، ولا سيما بعد الانهيار الاقتصادي، حين أصبحت وسيلة نقل أقل كلفة، واعتمدها كثير من اللبنانيين للتنقل في ظل ارتفاع النفقات المعيشية.
ورأى شمس الدين أن فوضى الدراجات لا ترتبط بالأزمة الاقتصادية وحدها، بل أيضا بوجود جهات تستفيد من استمرار الوضع القائم، مشيرا إلى المستوردين وأصحاب أماكن حجز الدراجات والشاحنات التي تنقلها، إلى جانب تقصير الجهات المعنية في الحد من المخالفات.
وقال إن هذه الجهات تستفيد من الواقع القائم، فيما يتحمل اللبنانيون تبعاته ومخاطره.
من جهته، شدد المتخصص في السلامة المرورية والمنسق في شركة اليازا الدولية في بيروت سمير سنو لسكاي نيوز عربية على أن السلامة المرورية جزء من السلامة العامة للمجتمع، مؤكداً عدم وجود مبرر للفوضى التي تشهدها الشوارع اللبنانية.
وأشار سنو إلى المادة 282 من قانون السير رقم 243، التي قال إنها تمنع الأطفال دون العاشرة من ركوب الدراجات النارية، محذرا من الاستهانة بالمخاطر التي يتعرضون لها.
ورأى أن تبرير بعض الأهالي هذا السلوك بارتفاع كلفة النقل المدرسي لا يجعل المجازفة مقبولة، سواء قانونياً أو إنسانياً. وقال إن نقل ثلاثة أطفال على دراجة نارية يومياً إلى المدرسة ومنها يعرّض حياتهم لمخاطر حقيقية، حتى لو كان السائق يقود بهدوء، إذ لا يمكن ضمان عدم وقوع حادث مفاجئ.
وأضاف أن تطبيق القانون والرقابة الفعلية من شأنهما دفع الأهالي إلى البحث عن بدائل أكثر أماناً، مثل تنظيم النقل المشترك أو التنسيق مع عائلات أخرى.
وشدد على أن انخفاض كلفة النقل لا يبرر تعريض حياة الأطفال للخطر، وأن القيادة الهادئة لا تلغي مخاطر التكدس على الدراجة أو غياب وسائل الحماية.
الأهالي بين كلفة النقل ومسؤولية الحماية
في المقابل، يضع بعض الأهالي الظاهرة في سياق الضغوط الاقتصادية التي تواجه الأسر اللبنانية، مع ارتفاع كلفة النقل المدرسي.
وقال هاني، وهو أب لأربعة أطفال، إن كلفة النقل المدرسي أصبحت تفوق قدرته على التحمل، مضيفاً أن كلفة أوتوكار المدرسة صارت أكثر من كلفة قسط المدرسة.
أما جان، من منطقة الأشرفية في بيروت، فقال إن نقل الأطفال على الدراجات النارية بات مشهداً طبيعياً في الشوارع، رغم أنه يثير القلق.
وفي السياق، قالت الباحثة في علم الاجتماع روندا دعبول لسكاي نيوز عربية إن المشكلة لا تقتصر على قرار فردي يتخذه الأهل، بل ترتبط أيضاً بغياب حلول نقل ميسّرة وآمنة، وضعف الرقابة وعدم الردع الكافي للمخالفين.
وتؤكد هذه الظاهرة أن مسؤولية الأهل لا تقتصر على إيصال أبنائهم إلى المدرسة، بل تشمل ضمان سلامتهم. فالضغوط الاقتصادية تستدعي حلولاً عملية، لكنها لا تلغي مخاطر نقل الأطفال بطريقة غير آمنة، ولا تعفي الجهات المعنية من توفير بدائل مناسبة وتطبيق القانون.
وبين أب يحاول توفير كلفة النقل المدرسي، وطفل لا يدرك حجم الخطر الذي يتعرض له، ودولة لم تنجح بعد في ضبط الفوضى على الطرقات، يبقى السؤال: من يحمي أطفال لبنان وهم في طريقهم إلى المدرسة؟