أعاد تصديق مجلس النواب الليبي على مذكرة التفاهم البحرية الموقعة عام 2019 بين حكومة فايز السراج وتركيا الخلاف على ترسيم الحدود في شرق المتوسط إلى الواجهة، وسط رفض مصري قاطع وتمسك القاهرة بعدم ترتب أي آثار قانونية على المذكرة بالنسبة إليها.

لكن الباحث في مركز الأهرام للدراسات بشير عبد الفتاح استبعد، خلال حديثه على شاشة "سكاي نيوز عربية"، أن يقود التطور إلى تصعيد بين مصر وتركيا، أو أن يفتح تلقائيا الباب أمام التنقيب عن الثروات البحرية قبالة السواحل الليبية.

ورأى أن التصديق يصطدم باعتراضات إقليمية وخلافات قانونية، بينما يوفر التقارب المصري التركي، المستمر منذ عام 2023، مساحة لاحتواء التباينات بين البلدين.

اعتراضات تتجاوز القاهرة

وقال عبد الفتاح إن الموقف المصري ليس استثنائيا، مشيرا إلى رفض اليونان وإسرائيل وقبرص للمذكرة منذ إبرامها، وربط هذه الاعتراضات بالخلاف على المرجعية القانونية لترسيم الحدود البحرية وتحديد المناطق الاقتصادية الخالصة.

وأوضح أن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 تمثل المرجعية المعنية بتنظيم هذه العملية، بينما تتبنى تركيا، بحسب قراءته، مقاربة مختلفة تقوم على الجرف القاري وترفض الترسيم وفق أحكام الاتفاقية.

وأشار إلى أن وجود جزر يونانية بين تركيا وليبيا يمثل إحدى نقاط الخلاف الأساسية، موضحا أن أثينا تعترض على ترسيم الحدود بين البلدين بالصورة التي تقوم عليها المذكرة.

وبحسب الباحث، فإن التصديق الليبي لا ينهي هذه الاعتراضات، ولا يحسم النزاع بشأن الحدود البحرية وحقوق الأطراف المعنية في شرق المتوسط.

أخبار ذات صلة

لماذا رفضت مصر اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين ليبيا وتركيا؟
إسرائيل تهاجم اتفاقية الحدود البحرية الليبية التركية

تقارب يحد من التصعيد

ورغم تمسك القاهرة برفض المذكرة، استبعد عبد الفتاح انتقال الخلاف إلى مواجهة مع أنقرة، معتبرا أن تحسن العلاقات أوجد "أرضية من الثقة" ومساحة للتفاهم تساعدان على احتواء الملف.

وفي تقديره، يمكن أن يستمر الاعتراض المصري بالتوازي مع التقارب السياسي؛ فلا يعني رفض المذكرة انهيار العلاقة بين البلدين، كما لا يقتضي تحسنها تجاوز الخلافات القائمة بشأن الحدود البحرية.

ويضع ذلك القاهرة وأنقرة أمام اختبار لإدارة التباين في ملف يرتبط بالمصالح البحرية والتوازنات الليبية، مع الحفاظ على مسار التفاهم بينهما.

تحركات متبادلة داخل ليبيا

وفي تفسيره لخلفيات التصديق، أشار عبد الفتاح إلى تغير خريطة العلاقات داخل ليبيا، بعدما ركزت تركيا على طرابلس، بينما انصبت جهود مصر على الشطر الشرقي.

وأوضح أن القاهرة بدأت مد جسور الثقة والتفاهم مع غرب ليبيا، في حين تحركت أنقرة لبناء علاقات مع الأطراف في الشرق.

ورأى أن التحرك التركي يجري بوتيرة أسرع، وأن أنقرة استطاعت استقطاب أطراف مختلفة للمساعدة في تمرير المذكرة عبر مجلس النواب.

وتعكس هذه التحركات، وفق قراءته، سعيا متبادلا لتوسيع العلاقات داخل الساحة الليبية، بعدما ارتبط حضور كل طرف بصورة أكبر بأحد جانبي الانقسام السياسي.

لكن الباحث فصل بين نجاح تركيا في دعم مسار التصديق، وبين إمكانية ترجمة هذه الخطوة إلى عمليات تنقيب فعلية.

أخبار ذات صلة

الخارجية المصرية: الاتفاقية البحرية الليبية التركية "باطلة"
من الرفض إلى التصديق.. ماذا وراء التقارب الليبي التركي؟

عقبات أمام استغلال الثروات

واستبعد عبد الفتاح أن يوفر التصديق، بمفرده، إطارا شرعيا للتنقيب قبالة السواحل الليبية، سواء بمساعدة تركيا أو من دونها، في ظل استمرار اعتراض الأطراف الإقليمية.

وقال إن الشركات الدولية ستحجم عن العمل استنادا إلى مذكرة يطعن الأطراف الآخرون في شرعيتها، ولا تحظى بموافقة الدول المعنية بالخلاف.

كما شدد على أن إيداع المذكرة لدى الأمم المتحدة لا يمنحها، في حد ذاته، الشرعية القانونية، وإنما يقتصر دوره على التوثيق.

ورجح ألا تقدم تركيا على بدء التنقيب استنادا إلى التصديق، معتبرا أنها لا تستطيع تحمل تبعات الصدام مع مصر وإسرائيل واليونان وقبرص في الوقت نفسه.

وبذلك، يرى عبد الفتاح أن الخطوة البرلمانية الليبية تعيد تنشيط الخلاف، لكنها لا تكفي لتغيير واقع استغلال الثروات البحرية، في ظل بقاء الاعتراضات القانونية والسياسية دون تسوية.