انطلقت في داكار، الخميس، الاجتماعات والفعاليات المصاحبة للدورة التاسعة والثمانين للمفوضية الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، التي تستضيف السنغال جلساتها العلنية خلال الفترة من 12 إلى 21 أكتوبر الجاري، وسط مشاركة واسعة لمنظمات حقوقية إفريقية ودولية، وتصاعد الاهتمام بالانتهاكات المرتكبة خلال حرب السودان، وعلى رأسها الاتهامات الموجهة إلى الجيش باستخدام أسلحة كيميائية.

وبدأت الفعاليات الخميس بافتتاح منتدى المنظمات غير الحكومية المصاحب للدورة، الذي ينظمه المركز الإفريقي للديمقراطية ودراسات حقوق الإنسان، بمشاركة ممثلين عن منظمات المجتمع المدني والمدافعين عن حقوق الإنسان ومؤسسات حقوقية إفريقية.

وأعلن المركز تسجيل أكثر من 400 منظمة مشاركة في المنتدى، الذي حضر افتتاحه رئيس المفوضية الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب إدريسا سو، والمديرة التنفيذية للمركز هانا فوستر، إلى جانب ممثلين عن الحكومة السنغالية، حيث ألقى وزير العدل كلمة الدولة المضيفة.

تدخلات خارجية تغذي الحرب

وشهدت أعمال الجمعة 9 أكتوبر جلسة خاصة نظمها التحالف الإفريقي "ائتلاف السودان"، تحت عنوان "تطورات الحرب في السودان"، بحضور حقوقي إفريقي ودولي واسع، وتركزت مناقشاتها على التدخلات الخارجية في الحرب، والانتهاكات الجسيمة المرتكبة بحق المدنيين، والاتهامات باستخدام أسلحة كيميائية.

وحذر السفير علي بن أبي طالب، مندوب السودان الأسبق لدى الأمم المتحدة في جنيف ونائب رئيس مجلس حقوق الإنسان السابق، من خطورة اتساع التدخلات الخارجية في الحرب السودانية، مشيرا إلى تورط أكثر من 12 دولة وجهة خارجية في الصراع، بأشكال ومستويات مختلفة.

وانتقد مشاركون في الفعالية ما وصفوه بازدواجية المعايير في التعامل مع التدخلات الخارجية، معتبرين أن التركيز على إدانة أطراف دون أخرى يحول المأساة في السودان إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية، بدلا من معالجة الأسباب الحقيقية لاستمرار الحرب.

ونبه بن أبي طالب إلى خطورة أدوار دول الجوار والتدخلات الإقليمية التي تسهم في تعقيد الصراع وإطالة أمده، مشددا على ضرورة اعتماد مقاربة شاملة تتناول جميع أشكال التدخل الخارجي، دون انتقائية، وتضع حماية المدنيين ووقف الحرب فوق الحسابات السياسية والمصالح الإقليمية.

وتبرز هذه المداخلات جانبا مهما من النقاش الحقوقي بشأن السودان، يتمثل في ضرورة ألا تقتصر المساءلة على الأطراف التي ترتكب الانتهاكات مباشرة، وإنما أن تشمل أيضا البحث في أدوار الجهات التي تسهم في استمرار الحرب أو توفير أسباب إطالة أمدها.

الأمم المتحدة تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية في السودان

"كيماوي الجيش" في قلب النقاشات

وقدم عبد الباقي جبريل، مدير مركز السودان للمعرفة في جنيف، نبذة تاريخية عن النزاعات المسلحة في السودان وأسبابها، مشيرا إلى الانتهاكات الجسيمة المرتكبة خلال هذه الحرب، ومحملا طرفي النزاع مسؤولية الانتهاكات التي طالت المدنيين، كما تحدث عن الاتهامات الموجهة إلى الجيش السوداني باستخدام الأسلحة الكيميائية.

واعتبر جبريل أن خطورة هذه الاتهامات تستوجب التعامل معها باعتبارها قضية تتعلق باستخدام أسلحة محظورة دوليا، وليس مجرد جانب من جوانب الصراع السياسي والعسكري في السودان.

وشدد على أهمية إخضاع الاتهامات لتحقيق دولي مستقل وشفاف، يتولى فحص الأدلة والوثائق والشهادات المتاحة، والتحقق من طبيعة المواد المستخدمة، وتحديد المسؤوليات المحتملة، والتعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بدلا من الاكتفاء بالنفي الرسمي أو التحقيقات الداخلية التي تجريها السلطات في بورتسودان.

وأيد جبريل المطالب الدولية المتصاعدة بإجراء تحقيق فني مستقل، مستشهدا بالمواقف التي صدرت عن الولايات المتحدة ودول غربية خلال اجتماعات المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي، والتي شددت على ضرورة التعامل الجاد والشفاف مع الاتهامات وتقديم المعلومات اللازمة للتحقق منها.

ويأتي طرح القضية في داكار بعد سلسلة من التحقيقات والتقارير الصحفية التي أثارت تساؤلات بشأن استخدام مواد كيميائية خلال الحرب، من بينها اتهامات بتصنيع واستخدام ذخائر تحتوي على الكلور، وهي اتهامات تستدعي تحقيقا فنيا متخصصا للفصل بين القرائن المتاحة والنتائج المثبتة علميا.

واحتلت قضية الأسلحة الكيميائية مساحة واسعة من مناقشات الجلسة، وسط تفاعل من ممثلي المنظمات الحقوقية المشاركة، بما يعكس تنامي الاهتمام الإفريقي بإمكانية استخدام أسلحة محظورة دوليا في النزاع السوداني، وما قد يترتب على إثبات ذلك من مسؤوليات قانونية وجنائية.

قضية الكيماوي تتطور.. والبرهان يستجدي التأييد في حفل موسيقي

مفوضة إفريقية: الاتهامات خطيرة وتستوجب التحقيق

وفي مداخلة لافتة، أعربت ليتا موسيامي، عضو المفوضية الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب وعضو البعثة الإفريقية لتقصي الحقائق بشأن السودان، عن اهتمام أعضاء المفوضية والبعثة بالاتهامات المتعلقة باستخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية خلال الحرب، ووصفت هذه الاتهامات بأنها خطيرة.

وأكدت موسيامي أهمية التعامل مع القضية بالجدية التي تستحقها، في ضوء ما تثيره من مخاوف بشأن حماية المدنيين واحترام قواعد القانون الدولي والالتزامات المتعلقة بحظر الأسلحة الكيميائية.

وقالت إنها مع إجراء تحقيق دولي مستقل وشفاف، بالتنسيق مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، بما يتيح الاستفادة من الخبرات الفنية المتخصصة في فحص الأدلة والتحقق من الاتهامات.

وتكتسب مداخلة موسيامي أهمية خاصة بالنظر إلى عضويتها في المفوضية الإفريقية والبعثة المعنية بتقصي الحقائق بشأن السودان، إذ تفتح المجال أمام طرح القضية بصورة أوسع داخل آليات حقوق الإنسان الإفريقية.

ويعكس النقاش الذي شهدته داكار اتساع الاهتمام الحقوقي الإفريقي بملف الأسلحة الكيميائية في السودان، بالتزامن مع تصاعد المطالب الدولية بالتحقق من الاتهامات بعيدا عن النفي السياسي والتجاذبات الدبلوماسية.

وبينما تتواصل المطالب بوقف الحرب وحماية المدنيين، يبرز التحقيق الدولي المستقل في اتهامات استخدام الأسلحة الكيميائية اختبارا جديا لمدى استعداد الجيش السوداني والسلطة القائمة في بورتسودان للتعاون والكشف عن الحقيقة، وضمان ألا تتحول الأسلحة المحظورة دوليا إلى وسيلة حرب تمر جرائمها المحتملة دون تحقيق أو مساءلة.