بين إعلان إسرائيل إدراج مرتفعات علي الطاهر ضمن "الخط الأصفر" و"المنطقة الأمنية"، وحديث متقطع عن احتمال تسليمها إلى الجيش اللبناني، تتحول التلة الاستراتيجية إلى اختبار لمستقبل المعادلة الأمنية في جنوب لبنان، ولمدى قدرة الدولة على بسط سلطتها وحصر السلاح.
وخلال حديثهما إلى "الظهيرة" على "سكاي نيوز عربية"، قدّم أستاذ العلاقات الدولية خطار أبو دياب والمستشار السابق بوزارة الدفاع الإسرائيلية آلون أفيتار قراءتين متباينتين للمشهد، وسط خلاف بشأن شروط الانسحاب الإسرائيلي وقدرة الجيش اللبناني على تسلم المنطقة.
اختبار يعيد فتح ملف 1978
يرى أبو دياب أن احتمال تحويل علي الطاهر إلى منطقة اختبار لجهوزية الجيش اللبناني يعيد النقاش إلى استراتيجية إسرائيل الأمنية على حدودها الشمالية منذ عام 1978، عندما أقامت شريطاً أمنياً داخل الأراضي اللبنانية قبل انسحابها عام 2000.
وبحسب قراءته، لم ينهِ الانسحاب المواجهة، رغم الاتفاق على الجزء الأكبر من الخط الأزرق، إذ انتقلت من الفصائل الفلسطينية والمقاومة الوطنية اللبنانية إلى حزب الله، بدعم سوري في البداية ثم برعاية إيرانية مباشرة.
ويربط أبو دياب التحركات الحالية بالعقيدة الأمنية الإسرائيلية التي تبلورت بعد هجوم 7 أكتوبر، وسط مخاوف إسرائيلية من تكرار سيناريو "غلاف غزة" في الجليل انطلاقاً من جنوب لبنان.
ويؤكد أن بقاء المناطق تحت السيطرة الإسرائيلية سيجعل الوضع أكثر تعقيداً، لكنه يرى أن تسليمها يتطلب جاهزية الدولة اللبنانية لفرض سيادتها وتحقيق حصرية السلاح، وهو ما لم يتحقق حتى الآن.
تضارب بشأن الانسحاب
يشير أبو دياب إلى تناقض في المواقف الإسرائيلية بشأن علي الطاهر. ففي حين تحدثت هيئة البث الإسرائيلية عن انسحاب باتجاه قلعة الشقيف، مع إبقاء السيطرة النارية عن بُعد، أكد وزير الدفاع الإسرائيلي بقاء المرتفعات ضمن المنطقة الأمنية.
ويفسر أبو دياب هذا التضارب بأن ترتيبات تسليم المنطقة إلى الجيش اللبناني لم تنضج بعد، ولا سيما مع استمرار الغارات الإسرائيلية على حرج علي الطاهر ومحيطه.
كما قال إن وكالة "فارس" الإيرانية نفت وجود عناصر إيرانيين في المنطقة، لكنها تحدثت عن وجود 48 عنصراً من حزب الله، قُتل ثمانية منهم خلال الاشتباكات.
واعتبر أن نشر هذه التفاصيل يكشف، للمرة الأولى، جانباً من انخراط طهران في هذا الملف.
"بنتاغون حزب الله" ومنعطف الجنوب
يصف أبو دياب علي الطاهر بأنها كانت مركزاً مهماً للقيادة والإسناد لدى حزب الله، حتى إنها عُرفت باسم "بنتاغون حزب الله"، معتبراً أن ما جرى فيها شكّل منعطفاً في مسار المواجهة.
ويحذر من أن تعثر حصر السلاح وعدم استكمال تطوير قدرات الجيش قد يؤديان إلى خسارة لبنان مزيداً من الأراضي واتساع المنطقة الأمنية الإسرائيلية.
ويربط الملف بتأجيل مفاوضات روما إلى أكتوبر، والاكتفاء حالياً بلقاء السفيرين اللبناني والإسرائيلي، لكنه يؤكد أن المسار السياسي لم يُغلق. ويشير إلى مقترح الرئيس اللبناني جوزف عون لإنهاء الأعمال العدائية أو العودة إلى اتفاقية هدنة مبرمجة، إلى جانب مؤتمر مرتقب في باريس لدعم الجيش اللبناني.
إسرائيل: انسحاب مشروط
في المقابل، يقول أفيتار إن إسرائيل لا تطمح إلى سيطرة عسكرية طويلة الأمد في جنوب لبنان، وإن لديها نية جدية لتسليم المنطقة إلى الجيش اللبناني، لكن بعد توافر شروط أمنية يجري بحثها في المحادثات وبتنسيق مع الولايات المتحدة.
ويعتبر أن الجيش اللبناني لا يمتلك حالياً القوات والمنشآت والقدرات العسكرية اللازمة لفرض سيطرة كاملة على المنطقة أو الدخول في مواجهة مع حزب الله، ما دام الحزب يحتفظ بعناصره ومنشآته في محيط علي الطاهر.
وبحسب الرؤية التي عرضها أفيتار، تريد إسرائيل تنفيذ عملية "تنظيف" للمنطقة ونزع سلاح حزب الله قبل نقل المسؤولية بصورة مرتبة إلى الحكومة والجيش اللبنانيين.
وهكذا تبقى علي الطاهر بين روايتين: إسرائيلية تربط الانسحاب بإزالة وجود حزب الله، ولبنانية تحذر من تحول الشروط الأمنية إلى مدخل لتوسيع السيطرة. وبينهما يقف الجيش اللبناني أمام اختبار القدرة على تسلم الأرض وفرض سلطة الدولة.