وسعت حركة الشباب الإرهابية خلال الأيام الماضية نطاق سيطرتها في وسط وجنوب الصومال مستفيدة من انسحاب قوات حكومية ومقاتلين عشائريين من عدد من المواقع فيما اقترب نفوذها من المناطق المحيطة بالعاصمة مقديشو في تطور يتزامن مع تصاعد الخلافات السياسية بين الرئيس حسن شيخ محمود وخصومه.
وسيطر مقاتلو الحركة على قريتي "أفار إردود" و"براق شيخ حسن" الواقعتين على الطريق الرابط بين مدينتي بلدوين وماهاس في منطقة هيران وسط الصومال عقب انسحاب القوات الحكومية وحلفائها من مواقع في المنطقة.
وفي محيط مقديشو تحرك مقاتلو الحركة إلى مناطق قريبة من كاربيسكا بعد تراجع القوات الحكومية من مواقع كانت تنتشر فيها كما سيطرت الحركة على قرية البصرة بعد اشتباكات استمرت عدة أيام مع القوات الحكومية.
وأفادت مصادر أمنية وسكان بأن القوات الحكومية المتمركزة في محيط البصرة ومنطقة كاربيسكا المجاورة على امتداد ممر أفجوي تراجعت باتجاه منطقة دينيلي في وقت مبكر من صباح الخميس.
وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه الحكومة الصومالية ضغوطا سياسية وأمنية ومالية متزايدة ما يثير تساؤلات بشأن قدرة مقديشو على احتواء تمدد حركة الشباب خصوصا في المناطق التي تشكل الحزام الجغرافي والأمني المحيط بالعاصمة.
تمدد يتجاوز هيران
ولا يقتصر التقدم الميداني للحركة على منطقة هيران إذ تظهر التطورات الأخيرة اتجاها نحو تعزيز وجودها في شبيلي الوسطى وشبيلي السفلى وهما منطقتان تتمتعان بأهمية استراتيجية بسبب قربهما من مقديشو وارتباطهما بشبكة الطرق والممرات التي تصل العاصمة بالمناطق الداخلية.
وتشير التقييمات الميدانية حتى منتصف عام 2026 إلى احتفاظ حركة الشباب بسيطرة مباشرة أو نفوذ قوي على مساحات واسعة من المناطق الريفية في هيران وشبيلي الوسطى وشبيلي السفلى ومناطق أخرى في جنوب ووسط الصومال.
وفي المقابل تتركز سيطرة الحكومة الفيدرالية والقوات المتحالفة معها بصورة أكبر في المدن الرئيسية وبعض الممرات الحيوية بينما تتمتع الحركة بهامش أوسع للتحرك في المناطق الريفية وفرض الجباية وبناء شبكات نفوذ محلية.
وتقدر بعض التقييمات أن الحركة تسيطر أو تفرض نفوذا قويا على نحو 30 بالمئة من الأراضي الصومالية مع اختلاف طبيعة السيطرة من منطقة إلى أخرى بين وجود مباشر ونفوذ ميداني وحكم مواز للمناطق التي تسيطر عليها الحكومة اسميا.
وجود داخل مقديشو
ويقول الخبير الصومالي الأميركي في شؤون القرن الإفريقي غوليد أحمد لموقع "سكاي نيوز عربية" إن حركة الشباب موجودة بالفعل داخل مقديشو لكن بصورة لا تعتمد على السيطرة العلنية على مناطق واسعة.
وأوضح أن الحركة تمارس داخل العاصمة أنشطة تشمل فرض الضرائب والابتزاز والتسلل وتنفيذ هجمات تستهدف مواقع أمنية.
وبحسب أحمد شنت الحركة خلال الأسبوعين الماضيين أكثر من 10 هجمات ليلية على مواقع أمنية في 5 مناطق رئيسية على الأقل مشيرا إلى أن معظم هذه الهجمات لم تسفر عن خسائر بشرية كبيرة لكنها ألحقت أضرارا بنقاط تفتيش وكشفت عن ثغرات أمنية.
وأضاف أن الحكومة عملت على الحد من التغطية الإعلامية لبعض هذه الحوادث الأمر الذي ساعد بحسب تقديره على التحكم في الرواية المتعلقة بالوضع الأمني داخل العاصمة.
هل تعود حركة الشباب إلى مقديشو؟
يرى أحمد أن الخطر لا يتمثل بالضرورة في هجوم عسكري شامل على العاصمة وإنما في قدرة الحركة على عزلها تدريجيا عبر السيطرة على المناطق الريفية والممرات وطرق الإمداد ومصادر الجباية بالتزامن مع استمرار عمليات الاغتيال والتفجير والتسلل داخل المدينة.
وتكتسب شبيلي الوسطى وشبيلي السفلى أهمية خاصة في هذا السيناريو باعتبارهما جزءا من الحزام الاستراتيجي المحيط بمقديشو.
وبذلك يمكن للحركة تحقيق مكاسب استراتيجية حتى من دون السيطرة المباشرة على العاصمة إذا تمكنت من الضغط على طرق الوصول إليها واستنزاف القوات الحكومية ورفع تكلفة تأمين محيطها.
أزمة مالية وانكماش الدعم الخارجي
ولا ينفصل هذا المسار الأمني عن الوضع المالي للحكومة الصومالية ويحذر أحمد من أن تراجع المنح والضغوط المرتبطة بالإيرادات المحلية قد يضعان الحكومة أمام صعوبات متزايدة في تمويل مؤسسات الدولة والقوات الأمنية خلال الأشهر المقبلة
ويقول إن استمرار هذا الاتجاه بالتزامن مع الضغوط السياسية الداخلية وتراجع ثقة الجمهور قد يحد من قدرة الحكومة على الاحتفاظ بانتشار أمني واسع خارج المراكز الحضرية الرئيسية.
ولا يتوقع الخبير الصومالي انهيارا كاملا لكنه يحذر من احتمال تعرض أجزاء من مقديشو لاستيلاء مؤقت أو زيادة نفوذ حركة الشباب فيها خاصة إذا تزامن تقليص الوجود الأمني الإفريقي مع أزمة مالية تواجه الحكومة.
3 ثغرات تستغلها الحركة
ويرى أحمد أن تقدم حركة الشباب يعكس استغلالها لثلاثة عوامل متزامنة تمدد القوات الصومالية بما يتجاوز قدراتها والتقليص التدريجي للدعم الأمني الخارجي وتصاعد الانقسام السياسي داخل النظام الفيدرالي.
ويحذر من أن انشغال النخب السياسية بالصراع على السلطة قد يمنح الحركة مساحة إضافية لإعادة تنظيم صفوفها وتوسيع نفوذها خصوصا في المناطق المحيطة بالعاصمة.
ويصف أحمد هذا الخطر بأنه أقرب إلى "تأثير بنغازي" حيث تنشغل النخب السياسية بصراعات السلطة الداخلية بينما يتدهور الوضع الأمني في المحيط الخارجي.