قال رئيس البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان محمد شاندي عثمان، إن البعثة لديها المعلومات نفسها التي نشرت بشأن تصنيع القوات المسلحة السودانية أسلحة كيميائية باستخدام الكلور، مؤكدا أن النظر في أي انتهاكات أو ادعاءات ذات مصداقية والتحقيق فيها يقع ضمن واجباتها.
وقال عثمان في مقابلة خاصة مع "سكاي نيوز عربية"، ردا على سؤال بشأن ما نشرته صحيفتا "نيويورك تايمز" و"واشنطن بوست" الأميركيتان، من وثائق تتعلق بالأسلحة الكيميائية: "نعم، نحن أيضا لدينا المعلومات نفسها، ونحن على علم بها. وبالطبع هذا تطور جديد، وسيتعين علينا أن نرى ما الذي يحدث بالفعل".
وأضاف: "لأن اهتمامنا الرئيسي يتمثل في الانتهاكات. فإذا كانت هناك انتهاكات لحقوق الإنسان أو للقانون الدولي الإنساني وكانت هناك ادعاءات ذات مصداقية، فمن واجبنا بالطبع النظر في هذه الانتهاكات والتحقيق فيها. لكننا، كما الجميع، على علم بما نشر في وسائل الإعلام حول هذا الموضوع".
تقرير "تغذية الصراع"
وأوضح عثمان أن البعثة قدمت تقريرها الأخير بعنوان "تغذية الصراع"، إلى مجلس حقوق الإنسان، مشيرا إلى أنه لقي ترحيبا جيدا من أعضاء المجلس.
وقال إن أكثر من 30 دولة تحدثت خلال المناقشات، إلى جانب نحو 10 منظمات من المجتمع المدني، وإن غالبية الدول أبدت قلقها بشأن دور الأطراف الخارجية في الحرب السودانية.
وأضاف: "هذا لا يعني بأي شكل من الأشكال إعفاء أطراف الحرب من مسؤوليتها، لكن أعتقد أن مصدر القلق كان يتمثل في أن الأطراف الخارجية تتحمل، إلى حد ما، مسؤولية تأجيج الصراع".
وتابع: "من أجل وقف الأضرار التي تلحق بالمدنيين يجب أن تتوقف الحرب، كما يجب أن يتوقف كل ما يغذي هذه الحرب".
وأشار عثمان إلى أن دور الأطراف الخارجية سبق أن ورد في أحد بيانات مجلس الأمن، وكذلك في قرار مجلس حقوق الإنسان الذي طلب من البعثة التحقيق في الوضع بالسودان.
اعتراضات على عمل البعثة
وعن الدول التي تعارض عمل بعثة تقصي الحقائق، قال إن بعض الدول تتبنى موقفا مبدئيا يشترط موافقة الدولة المعنية قبل إنشاء أي بعثة لتقصي الحقائق.
وأضاف عثمان: "لكن هذه ليست شرطا مسبقا لشرعية بعثة تقصي الحقائق، فبعثات تقصي الحقائق يتم إقرارها من خلال تصويت أغلبية الأعضاء، ويتم التصويت عليها، وأعتقد أن تجديد ولاية بعثتنا كل عام يعود إلى أنها حظيت بتأييد أغلبية الدول الأعضاء".
وأوضح أن المسؤولية الأساسية عن حماية حقوق الإنسان وتعزيزها تقع على الدولة والحكومة القائمة.
أما عن رفض الحكومة السودانية عمل البعثة وعدم السماح لها بدخول البلاد، فقال عثمان إنها ترى أن لديها نظاما وطنيا يتمثل في لجنة التحقيق الوطنية، وأن هذه اللجنة كافية لأغراض تقصي الحقائق، إضافة إلى وجود عدد من الآليات التي تنظر في الوضع السوداني.
وأضاف: "لكنني أعتقد أن هذه الحجج ضعيفة، لأن لكل آلية اختصاصا محددا للغاية. ولا يوجد تداخل بين الآليات من حيث وظائفها. فعلى سبيل المثال، نحن نحدد الأفراد والجناة المسؤولين، ولدينا ملفات سرية تتعلق بالتحقيقات".
وتابع: "نحن نحقق بهدف تحقيق المساءلة. أما الآليات الأخرى فتقوم بأعمال مختلفة. فبعضها، على سبيل المثال، ينظر في بيانات ضحايا الحرب وما إلى ذلك".
وأكد أن البعثة تجمع الأدلة تحسبا للمساءلة في المستقبل، مضيفا: "نظرا لتعقيد الصراع، ونظرا لبعده الإقليمي، يجب أن تستمر آلية دولية، في رأيي، في مراقبة الوضع وجمع الأدلة، لأن الأدلة موجودة داخل السودان، وكذلك خارجه".
الطرفان واستهداف المدنيين
وعن القاسم المشترك بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، قال عثمان إن الطرفين ملزمان باحترام القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، وإنهما التزما بموجب إعلان جدة باحترام السكان المدنيين وحمايتهم.
وأضاف: "أعتقد أن هناك إخفاقا جسيما من جانب الطرفين فيما يتعلق باحترام السكان المدنيين، لأن المدنيين هم من يتحملون العبء الأكبر من الأعمال العدائية".
وقال: "فعلى سبيل المثال، لدينا تقارير تفيد بمقتل أكثر من 1200 شخص، من المدنيين، جراء ضربات بطائرات مسيّرة بين يناير ومايو من هذا العام".
وتابع: "لذلك، فإن السكان المدنيين هم الذين يعانون، وهم يعانون من سلوك طرفي الحرب الرئيسيين ومن الجهات المرتبطة بهما. وأعتقد أن الأمر الأساسي هو حماية المدنيين، واحترام القانون الدولي الإنساني، من خلال عدم استهداف البنية التحتية المدنية، وما إلى ذلك".
وعندما سئل عما إذا كان الطرفان قد استهدفا المدنيين، أجاب عثمان: "نعم، كلا الطرفين. ويقدم تقريرنا أمثلة محددة على استهداف الأسواق والمستشفيات والمدارس وغيرها".
وأضاف: "ونحن ننسب المسؤولية، وليس من مهمتنا أن نرجح كفة طرف على آخر، وإنما ننظر في الحوادث والحالات البارزة، ونحقق فيها، ونوثق الوقائع فعليا".
وتابع: "نحن بعثة لتقصي الحقائق، ونحدد الوقائع. وعندما تكون الوقائع ذات مصداقية، نحللها في ضوء الأدلة والقانون، ثم نتوصل إلى نتائج بشأن المسؤولية حيثما وجدت".
سلسلة المسؤولية
وعن التحقيق في الجهات التي تدعم القوات المسلحة السودانية، بعدما وصف التقرير النتائج المتعلقة بها بأنها أولية، قال عثمان: "نعم، بالتأكيد. أعتقد أن هذا التحقيق لا يزال في بدايته، وسنتعمق أكثر في هذا الجانب، من خلال النظر في السلسلة بأكملها، أو ما نسميه سلسلة المسؤولية".
وأضاف: "وبعبارة أخرى، سننظر في العملية برمتها، بما في ذلك دور الأطراف الخارجية، في التدريب، وعملية نشر القوات، وما إلى ذلك".
وأكد أن سلسلة المسؤولية بأكملها تمثل أحد المحاور التي شددت عليها البعثة في تقاريرها.
وبشأن غياب المساءلة في السودان، قال عثمان: "أعتقد أن المبدأ الأساسي للمساءلة هو أنه ينبغي أن تكون جزءا من أي تسوية سلمية للأزمة أو الصراع في السودان، بحيث يتم إدراج المساءلة ضمن أي حل، من أجل الحد من دائرة الإفلات من العقاب، التي تعد أحد الأسباب الجذرية للصراع".
وأضاف أن المرحلة الحالية تتيح جمع الأدلة والحفاظ عليها، ثم النظر في النماذج المختلفة للمساءلة، مؤكدا أن السودانيين هم من سيقررون في نهاية المطاف النموذج الذي يريدونه.
وأشار إلى توصية البعثة باستخدام الولاية القضائية العالمية، بما يسمح لدول أخرى باتخاذ إجراءات، لافتا إلى قضية مطروحة في كينيا تطالب فيها إحدى منظمات المجتمع المدني مدير النيابة العامة بفتح تحقيق والمضي في إجراءات المحاكمة استنادا إلى هذا المبدأ.
وعن مستقبل مشاركة طرفي الحرب في حكم السودان، قال عثمان: "هذا سؤال سياسي كما تعلمون. لكنني أعتقد أن ما يريده الشعب السوداني في نهاية المطاف واضح".
وأضاف أن السودان يجب أن يتجه نحو عملية ديمقراطية بقيادة مدنية، موضحا: "هذه هي الأمور التي ينظر فيها المسار السياسي حاليا، بينما نحن نعمل على مسار المساءلة والعدالة".