مع اقتراب بدء العام الدراسي في قطاع غزة، يستعد آلاف الأطفال للعودة إلى التعليم في ظروف استثنائية، بعدما خرجت الغالبية العظمى من المباني التعليمية عن الخدمة، واضطرت المدارس إلى العمل في خيام ومراكز مؤقتة، فيما تواجه عائلات كثيرة صعوبة في تأمين أبسط المستلزمات الدراسية.

ولا تتوقف الأزمة عند توفير مكان للتعلم، إذ تحولت الحقيبة والدفتر والقلم إلى عبء إضافي على أسر أنهكتها الحرب والنزوح وتراجع مصادر الدخل.

بالنسبة إلى ميساء أحمد (37 عاما)، يبدأ الاستعداد للعام الدراسي من سؤال بسيط لكنه ثقيل: كيف ستوفر القرطاسية لطفليها، أحدهما في الصف الأول الإعدادي والآخر في الصف الرابع؟

تقول ميساء إن زوجها، الموظف في وزارة الصحة بحكومة غزة، يتقاضى نحو ألف شيكل (٣٢٥ دولارا) كل 100 يوم، وهو دخل لا يكفي لتغطية
احتياجات الأسرة الأساسية، فضلا عن تكاليف الدراسة.

وتضيف لـ"سكاي نيوز عربية": "أنا غير قادرة على توفير القرطاسية لهم.. جلتُ في الأسواق وأسأل عن الدفاتر والأقلام والحقائب، وفي النهاية قررت تأجيل شراء المستلزمات، على أمل الحصول عليها كمساعدات من المؤسسات الداعمة، مع اقتراب موعد بدء الدراسة".

وتعكس حالة ميساء واقعا أوسع تعيشه الأسر في القطاع، حيث تتزامن العودة إلى المدارس مع أزمة اقتصادية وإنسانية متفاقمة، تجعل من
تأمين المستلزمات التعليمية تحديا إضافيا بالنسبة إلى كثير من العائلات.

أخبار ذات صلة

دخول 5 قوافل إماراتية إلى قطاع غزة تحمل 533 طنا من المساعدات
بيان عربي إسلامي يدي تصريحات إسرائيلية بشأن تهجير غزة

تعليم وسط الدمار

ويأتي العام الدراسي الجديد في وقت تعرض فيه قطاع التعليم في قطاع غزة لأضرار واسعة.

ويقول أحمد عايش النجار، مدير عام وحدة العلاقات العامة والتعاون الدولي في وزارة التربية والتعليم العالي بغزة، لسكاي نيوز عربية، إن 97 بالمئة من المباني التعليمية في غزة أصبحت خارج الخدمة، سواء بسبب الأضرار الكلية أو الجزئية أو نتيجة استخدامها لإيواء النازحين.

وبحسب النجار، فقد امتد الضرر إلى التجهيزات والأثاث والبنية التحتية التعليمية، الأمر الذي دفع الوزارة إلى الاعتماد على بدائل تشمل المدارس القائمة والمراكز التعليمية المؤقتة والخيام التعليمية، إلى جانب المنصات الرقمية والتعليم الإلكتروني.

المدارس في غزة عادت للعمل في خيام ومراكز مؤقتة

وتشير المعطيات التي قدمها النجار إلى أن الخسائر البشرية في قطاع التعليم بلغت مستويات كبيرة، مع مقتل نحو 20 ألف طالب وطالبة، إضافة إلى نحو 770 من المعلمين والإداريين والعاملين في القطاع التعليمي.

وفي محاولة لاستمرار العملية التعليمية رغم الظروف، تتجه الوزارة إلى تطبيق نظام دراسي مرن خلال العام الجديد، يقوم على 6 فصول موزعة على تدويرين، مع التركيز على أربعة مباحث رئيسية هي اللغة العربية واللغة الإنكليزية والرياضيات والعلوم العامة.

وسيحصل الطلبة على 12 حصة وجاهية أسبوعيا، إلى جانب مواد إثرائية مختصرة في التربية الإسلامية والدراسات الاجتماعية، والاستفادة من
المنصات الرقمية في تدريس عدد من المواد الأخرى.

كما يتضمن العام الدراسي برنامج التعليم المسرع، المعروف اختصارا بـ"ALP"، بهدف معالجة جانب من الفاقد التعليمي المتراكم لدى الطلبة، من خلال التركيز على المهارات الأساسية وتكثيف عملية الاستدراك داخل الحصص.

ويستهدف البرنامج الطلبة من الصف الثاني حتى التاسع الأساسي، فيما بدأت الوزارة، بالتعاون مع منظمة اليونيسف، تدريب مديري المدارس
والمعلمين على آليات تطبيقه وتقييم الطلبة.

معاناة شديدة لأهل غزة مع بداية عودة المدارس

خيام بدل المدارس

بالنسبة إلى محمد بارود (46 عاما)، فإن قرار إرسال أبنائه إلى المدرسة لا يزال أولوية رغم ارتفاع كلفة المستلزمات.

لدى بارود، وهو من سكان حي النصر في مدينة غزة، ولد وثلاث بنات في سن الدراسة.

يقول لسكاي نيوز عربية إنه أنفق نحو 450 شيكلا (150 دولارا) على دفاتر وأقلام وحقائب ومستلزمات أخرى لأبنائه، بعدما كانت هذه الاحتياجات
قبل الحرب تكلفه نحو 20 شيكلا، بحسب تقديره.

يقول بارود: "الأولاد يجب أن يتعلموا، ويجب أن يواصلوا دراستهم"، في إشارة إلى تمسكه باستمرار تعليم أبنائه رغم الظروف الاقتصادية الصعبة.

لكن المدرسة التي يقصدها أبناؤه ليست كما كانت قبل الحرب، فالأطفال يتلقون التعليم داخل خيمة، في مشهد يلخص التحول الذي طرأ على العملية التعليمية في القطاع.

ويؤكد بارود أنه يعمل سائقا، لكنه متوقف حاليا بسبب تعطل سيارته وعدم قدرته على توفير بعض قطع الغيار، آملا في العودة إلى العمل
حتى يتمكن من تلبية احتياجات أبنائه.

دفاتر مفقودة وأسعار مرتفعة ولا يقتصر نقص المستلزمات على قدرة العائلات الشرائية، إذ تواجه المكتبات نفسها صعوبة في توفير السلع المدرسية.

في وسط خان يونس، أعاد براء كُلاّب (26 عاما)، افتتاح مكتبته في الموقع نفسه الذي كانت توجد فيه مكتبته القديمة، التي تأسست عام
1993 وكانت قبل الحرب أشبه بمركز كبير للمستلزمات.

لكن المشهد تغير بالكامل، فالمكتبة الجديدة أقيمت باستخدام أقواس زراعية وحطب مشاتل، فوق الركام، في محاولة لاستعادة نشاط تجاري تضرر بشدة خلال الحرب.

ويقول كُلاّب إن السوق يعاني نقصا كبيرا في الأصناف المدرسية، موضحا أن الدفاتر تحديدا لا تتوفر بالكميات المطلوبة، بينما يجري تصنيع بعضها محليا عبر الطباعة داخل القطاع.

إلا أن ارتفاع تكاليف التشغيل يجعل المنتج المحلي مرتفع السعر؛ إذ يصل سعر الدفتر إلى ما بين ثلاثة وأربعة شواكل، وفق قوله، في وقت يؤدي انقطاع الكهرباء والاعتماد على المولدات إلى زيادة كلفة الطباعة.

أما بعض السلع المتوفرة في المكتبة، مثل المقالم وحافظات المياه وبعض المنتجات الأخرى، فلا تعكس بالضرورة احتياجات الموسم الدراسي،
بل يقول كُلاّب إنها من الأصناف التي دخلت إلى السوق دون أن يكون عليها طلب كبير.

وتراجعت مبيعات مكتبته، بحسب تقديره، بنحو 75 بالمئة مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب.

ومع ذلك، اختار البقاء في الموقع ذاته، بسبب صعوبة إنشاء محال جديدة في مناطق النزوح المكتظة، حيث تعطى الأولوية للخيام ومساكن
النازحين، إضافة إلى ارتباط المكان بتاريخ المكتبة واستمرار الزبائن في الوصول إليه من مناطق مختلفة.

أخبار ذات صلة

تصعيد إسرائيلي متزامن في غزة والضفة الغربية
تهجير الفلسطينيين يشعل الجدل في الضفة وغزة