تشهد الجبهة اللبنانية تصعيدا ميدانيا يضع اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل أمام اختبار بالغ الحساسية، في ظل غارات إسرائيلية على مناطق في جنوب لبنان، بينها تلة علي الطاهر في النبطية وشرق كفر رمان، وتفجير في مجدل زون، إلى جانب تحليق مسيرات إسرائيلية فوق الضاحية الجنوبية لبيروت.
ويتزامن التصعيد مع إعلان الجيش الإسرائيلي مقتل قائد في وحدة بدر التابعة لحزب الله وقائد كتيبة في قوة الرضوان، فيما تتسع الأسئلة بشأن قدرة الاتفاق على الصمود، وحدود الدور الأميركي، ومآلات ملف سلاح حزب الله.
واشنطن تحاول ضبط التصعيد
يرى أستاذ العلاقات الدولية خطار أبو دياب، خلال حديثه إلى "الظهيرة" على سكاي نيوز عربية، أن المشهد الحالي يعكس تصعيدا مقلقا، وأن اتفاق الإطار كان من المنتظر منذ بدايته أن يواجه عقبات كبيرة في تنفيذه.
وأشار إلى أنه رغم التصعيد الحالي، لا تزال هناك محاولة أميركية لضبط الإيقاع تمهيدا للعودة إلى المفاوضات في سبتمبر المقبل.
ووضع أبو دياب زيارة وزير الدفاع الإسرائيلي إلى الجنوب اللبناني، وحديثه عن البقاء هناك وفي مناطق أمنية أخرى، ضمن مؤشرات ترتبط، في تقديره، بالانتخابات الإسرائيلية وما يجري على الجبهة اللبنانية.
كما لفت إلى تصريحات رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف بشأن اتصاله بالمقاتلين في الجبهة الأمامية في لبنان، معتبرا أنها قد تعكس مسعى إيرانيا لإعادة ربط الملف اللبناني بالقضية الإقليمية، أو ربما تشير إلى وجود مقاتلين من الحرس الثوري بصورة مباشرة في منطقة علي الطاهر.
وطرح أبو دياب تساؤلات بشأن ما إذا كانت واشنطن تريد منح إسرائيل مهلة لإنهاء مهمتها، وما إذا كان الجانب اللبناني لم يتمكن، بعد الانتشار في المنطقة الغربية، من بدء معالجة سلاح حزب الله للحصول على منطقة تجريبية ثانية.
كما تساءل عن مدى جدية إسرائيل، وما إذا كان القصف المكثف يمثل إشارة إضافية إلى سعيها لانتزاع تنازلات جديدة قبل المفاوضات.
تناقضات أميركية تعقّد الاتفاق
قال أبو دياب إن القيود الأميركية قد تنجح في مرحلة معينة في الحد من التصرفات الإسرائيلية، لكنها لا تستطيع كبحها بصورة حاسمة ونهائية.
واستشهد بالضغط الذي مارسته واشنطن في أبريل الماضي لإنقاذ الاتفاق مع إيران، عندما نجحت، وفق قوله، في وقف القصف الإسرائيلي على بيروت والضواحي، ومنع التقدم البري الإسرائيلي.
وأشار إلى وجود تناقضات واضحة داخل الإدارة الأميركية، لافتا إلى مجيء جاريد كوشنر إلى إسرائيل للضغط عليها بشأن غزة، وإلى تصريح نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس بأن الأولوية في هذه المرحلة هي لسعر برميل النفط.
وأضاف أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب صحح ذلك لاحقا، بقوله إن على المستهلك الأميركي تحمّل ارتفاع أسعار المحروقات من أجل منع إيران من امتلاك السلاح النووي.
ويرى أبو دياب أن أهمية اتفاق الإطار تمثلت في المحاولة الأميركية للفصل بين لبنان وإيران ومنع ربط الملفين. لكنه أشار إلى أن فانس سمح، خلال التفاوض على مذكرة التفاهم، بوضع لبنان في البند الأول، قبل أن يتولى ماركو روبيو رعاية المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، بما يعكس، وفق طرحه، إشكالية في إدارة واشنطن للملف. وخلص إلى أن لبنان بات "بين المطرقة الإسرائيلية والسندان الإيراني".
علي الطاهر.. عقدة ميدانية
تعامل أبو دياب مع تلة علي الطاهر باعتبارها نقطة مفصلية في مسار اتفاق الإطار، مستحضرا تجربة إسرائيل السابقة في احتلال قلعة الشقيف ونسف الأنفاق تحتها.
وأشار إلى وجود مجمع تحت الأرض في التلة أُطلق عليه أيضا وصف "بنتاغون حزب الله"، متسائلاً عن طبيعة المنشآت وسلاسل الأنفاق، وما إذا كانت تتصل بموقع الدبشي أو مناطق في جبل الريحان وإقليم التفاح، وكذلك ما إذا كان جميع العناصر الموجودين فيها لبنانيين أم أن بعضهم إيرانيون.
كما تساءل عن تهديد الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم، وما إذا كان موجها إلى إسرائيل أم يحمل رسالة إلى الداخل اللبناني، في ظل حديث عن بقاء الحزب القوة الأساسية ومحاولته تغيير الأمور لمصلحته داخل البلاد.
وحذر أبو دياب من أن ما يجري في علي الطاهر قد "يسقط بالفعل كل رهان على الاتفاق الإطاري"، مؤكدا أن التوسع الإسرائيلي لن يحل المسألة، وأن معالجتها لا يمكن أن تتم إلا مع الدولة والجيش اللبنانيين.
إسرائيل تربط الانسحاب بنزع السلاح
في المقابل، رفض المحاضر في أكاديمية الجليل الغربي في إسرائيل موشيه إلعاد، ربط التصعيد بالانتخابات الإسرائيلية، معتبرا أن الحكومة المقبلة بعد 3 أشهر ستتبنى الأساليب نفسها للحفاظ على أمن الإسرائيليين.
وأكد أن الاتفاق المرتقب بين إسرائيل ولبنان يتضمن نزع سلاح حزب الله، وأن إسرائيل لن تقبل بتحوله إلى غطاء لعدم نزع السلاح أو لتعزيز قوات الحزب والاستعداد لعمليات جديدة.
وأشار إلعاد إلى حادثة إطلاق مسيّرة خلال الهدنة وإصابة 4 جنود إسرائيليين، قائلا إن الرد الإسرائيلي استهدف الموقع الذي انطلقت منه.
وشدد على أن المطالبة بنزع السلاح موجهة إلى الحكومة اللبنانية التي وقعت الاتفاق، محذرا من أن الاتكال على الدعم الأميركي والأوروبي والسعودي، من دون بذل جهد لتعزيز نزع سلاح حزب الله، يمثل "خطأ فادحا".
ويرى إلعاد أن الجيش اللبناني ضعيف ويحتاج إلى دعم أميركي أو أوروبي أو عربي، مؤكدا أن استمرار الهدوء والانسحاب وإعادة انتشار الجيش الإسرائيلي ترتبط، من وجهة نظره، بنزع سلاح حزب الله.
كما أشار إلى خلافات سابقة خلال المفاوضات بشأن المناطق التجريبية ومناطق الارتباط، قائلا إن إسرائيل طلبت التحقق من القرى التي يخرج منها حزب الله، بينما رفض لبنان ذلك، مما عكس، في رأيه، وجود صراع بين الجانبين منذ البداية.