سجل تحالف "تأسيس" تقدماً ميدانياً متزامناً في إقليمي النيل الأزرق وكردفان، بعد سيطرته على مدينتي الكرمك وقيسان ومناطق على الطريق المؤدي إلى الدمازين، بالتوازي مع إعلان قوات الدعم السريع الاستيلاء على مواقع استراتيجية بالقرب من مدينة الأبيض في شمال كردفان، في تطور يوسع خريطة المواجهات ويضع خطوط إمداد رئيسية للجيش السوداني تحت ضغط متزايد.
وأعلن التحالف، الذي يضم قوات الدعم السريع والحركة الشعبية لتحرير السودان–شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، إحكام سيطرته على مدينتي الكرمك وقيسان الاستراتيجيتين في إقليم النيل الأزرق، جنوب شرقي السودان، بالقرب من الحدود الإثيوبية، بعد معارك عنيفة مع الجيش والقوات المتحالفة معه.
وقالت قوات الدعم السريع، في بيان، إن قوات التحالف "ألحقت هزيمة بقوات الجيش والكتائب الإسلامية المتحالفة معه"، وسيطرت على المواقع والمعسكرات العسكرية في المدينتين، إلى جانب الاستيلاء على معدات وآليات قتالية.
وعرضت مواقع إخبارية تابعة للتحالف مقاطع مصورة لجنود أسرى، قالت إنهم مرتزقة إثيوبيون من قومية تيغراي يحاربون إلى جانب الجيش في النيل الأزرق، وسبق لهم أن قاتلوا معه في ولاية الجزيرة بوسط السودان.
وأكدت مصادر ميدانية لسكاي نيوز عربية سيطرة قوات التحالف على الكرمك وقيسان، مشيرة إلى أن قواته ألحقت هزيمة كبيرة بالجيش وحلفائه. كما نشرت مواقع تابعة للتحالف مقاطع مصورة تظهر عشرات الجثث وعدداً كبيراً من الأسرى.
تقدم نحو الدمازين
وفي تطور ميداني متصل، أعلن التحالف تقدم قواته باتجاه الدمازين، عاصمة إقليم النيل الأزرق، بعد السيطرة على منطقتي أمورو وخور الذهب الواقعتين على محور التحرك نحو المدينة.
وبحسب مصادر ميدانية، تبعد المواقع التي وصل إليها التحالف نحو 100 كيلومتر عن الدمازين، فيما تتواصل العمليات العسكرية على المحور الرابط بين المناطق الحدودية وعاصمة الإقليم.
وتُعد الدمازين مركز الثقل السياسي والعسكري والاقتصادي في إقليم النيل الأزرق، وتضم قيادة الفرقة الرابعة مشاة التابعة للجيش، كما تقع بالقرب من خزان الروصيرص، أحد أبرز المرافق الاستراتيجية لإنتاج الكهرباء وإدارة الموارد المائية في السودان.
وتكتسب الكرمك وقيسان أهمية عسكرية ولوجستية بسبب موقعهما القريب من الحدود الإثيوبية، وارتباطهما بطرق إمداد وتحرك تمتد بين المناطق الحدودية ووسط إقليم النيل الأزرق.
ومن شأن سيطرة التحالف على المدينتين والمناطق الواقعة شمالهما أن تمنحه مجالاً أوسع للتحرك باتجاه الدمازين، وأن تزيد الضغط على دفاعات الجيش وخطوط إمداده في جنوب شرقي البلاد.
وكان الجيش قد أعلن، في الثامن من يوليو، استعادة الكرمك من قوات الدعم السريع والحركة الشعبية–شمال، بعد أكثر من 3 أشهر من سيطرة التحالف عليها. وتمثل استعادة "تأسيس" للمدينة تحولاً ميدانياً جديداً، بعدما تبدلت السيطرة عليها أكثر من مرة خلال الأشهر الماضية.
تقدم في محور كردفان
وتزامنت تطورات النيل الأزرق مع تقدم لقوات الدعم السريع في محور كردفان، حيث أعلنت سيطرتها على مناطق البان جديد وأم عردة وحامية جبل هشابة العسكرية، على بعد 15 كيلومتراً من مدينة الأبيض، بعد معارك مع الجيش والقوات المتحالفة معه.
وتكتسب حامية جبل هشابة العسكرية أهمية خاصة لوقوعها على الطريق الرسمي المستخدم في إمداد قوات الجيش، وعلى المحور الرابط مدينة الأبيض بمدن الرهد وأم روابة وكوستي والخرطوم.
وتضع السيطرة على هذه المناطق قوات الدعم السريع في موقع يسمح لها بزيادة الضغط على أحد المسارات الحيوية لنقل القوات والإمدادات والوقود والمواد الأساسية التابعة للجيش إلى مدينة الأبيض.
كما يهدد هذا التقدم بتعقيد تحركات الجيش بين وسط السودان وغربه، في وقت يشهد فيه كردفان عمليات عسكرية متصاعدة وحشوداً متبادلة من الطرفين.
ضغط على جبهتين
ويشير التقدم المتزامن في النيل الأزرق وكردفان إلى اتجاه تحالف "تأسيس" نحو توسيع عملياته على جبهتين متباعدتين، بما يفرض على الجيش توزيع قواته وموارده بين حماية الدمازين في الجنوب الشرقي وتأمين الأبيض وطرق إمدادها في وسط البلاد.
كما يمنح فتح هذه المحاور التحالف قدرة أكبر على تشتيت دفاعات الجيش وتهديد مراكز استراتيجية تقع خارج معاقل قوات الدعم السريع الرئيسية في دارفور.
ويهدد اتساع رقعة القتال بموجات نزوح جديدة وتدهور إضافي للأوضاع الإنسانية، خصوصاً في النيل الأزرق وكردفان، حيث تعاني مناطق واسعة نقصاً حاداً في الغذاء والدواء والمياه، إلى جانب تعطل الخدمات واضطراب طرق وصول المساعدات.
وتعيد التطورات الأخيرة رسم خطوط المواجهة في الحرب السودانية؛ فالتقدم نحو الدمازين والضغط على الطريق الرابط بين الأبيض وكوستي لا يمثلان مجرد مكاسب محلية، بل يهددان عقدتين عسكريتين ولوجستيتين أساسيتين للجيش. وإذا تمكن تحالف "تأسيس" من تثبيت سيطرته على المناطق الجديدة ومواصلة تقدمه، فقد تدخل الحرب مرحلة أشد اتساعاً، تنتقل فيها المعركة من السيطرة على المدن إلى خنق خطوط الإمداد وتهديد مراكز القيادة الاستراتيجية.