تحولت بلدة الطيبة الفلسطينية، المعروفة بأنها آخر بلدة في الضفة الغربية جميع سكانها من المسيحيين، إلى منطقة عسكرية مغلقة بقرار إسرائيلي، في محاولة معلنة لمنع اعتداءات المستوطنين المتصاعدة على سكانها وأراضيها.

وأعلن الجيش الإسرائيلي منع الإسرائيليين غير المقيمين من دخول البلدة، مؤكدا أن القيود لا تستهدف سكانها الفلسطينيين، وأن قواته ستتعامل مع أي محاولة لخرق القرار بهدف الحفاظ على الأمن.

لكن الإجراء، الذي تقول إسرائيل إنه يهدف إلى حماية الفلسطينيين، يعكس حجم الأزمة التي وصلت إليها الطيبة، بعدما عجزت التدابير الأمنية المعتادة عن وقف اقتحامات المستوطنين وإحراق الأراضي والاستيلاء عليها.

وأثارت صحيفة "تلغراف" البريطانية جدلا بوصفها القرار بأنه "حصار كامل لآخر بلدة مسيحية في الضفة"، إلا أن صيغة الأمر العسكري، وفق ما نقلته رويترز، تقصر المنع على دخول الإسرائيليين غير المقيمين، ولا تفرض إغلاقا شاملا على حركة أهالي البلدة.

بلدة مسيحية تحت الضغط

تقع الطيبة شمال شرقي رام الله، ويعود حضورها المسيحي إلى قرون طويلة، ويقيم فيها فلسطينيون ينتمون إلى كنائس الروم الأرثوذكس والروم الكاثوليك واللاتين.

ويبلغ عدد سكانها نحو 1300 نسمة وفق أحدث تعداد رسمي متاح، بينما هاجر آلاف من أبنائها إلى الولايات المتحدة وأميركا اللاتينية، في ظل تراجع عدد المسيحيين الفلسطينيين بسبب الظروف الاقتصادية والسياسية.

وتضم البلدة كنائس ومواقع دينية تاريخية، كما تشتهر بأقدم مصنع للجعة في الشرق الأوسط، وتحولت على مدى سنوات إلى رمز لاستمرار الوجود المسيحي الفلسطيني في الأراضي المقدسة.

لكن الأراضي المحيطة بها شهدت خلال الأشهر الماضية سلسلة من الاعتداءات، شملت إشعال حرائق ومنع المزارعين من الوصول إلى حقولهم وإقامة بؤر استيطانية قريبة.

أخبار ذات صلة

إسرائيل ترسل مزيدا من القوات لبلدة يحاصرها مستوطنون
قلق أميركي من عنف المستوطنين.. والبيت الأبيض يخاطب نتنياهو

وفي يونيو، قال سكان إن مستوطنين تدخلوا لمنع الفلسطينيين من السيطرة على حريق واسع بالقرب من البلدة، بينما وصف كاهن محلي الاعتداءات بأنها نمط متواصل من الترهيب والعنف يهدد بإجبار العائلات على الرحيل.

ودفعت الأحداث بطريرك الروم الأرثوذكس والكاردينال اللاتيني في القدس إلى زيارة الطيبة وإعلان التضامن مع سكانها، وسط مطالب للسلطات الإسرائيلية بحمايتهم ومحاسبة المعتدين.

حماية أم عقاب غير مباشر؟

يرحب بعض السكان بمنع المستوطنين من الدخول، لكنه يثير في الوقت نفسه سؤالاً عن سبب الحاجة إلى إغلاق عسكري كامل بدلاً من توقيف منفذي الاعتداءات وملاحقتهم.

ويخشى الأهالي أن يؤدي تحويل البلدة إلى منطقة عسكرية إلى زيادة القيود على حركة الزوار ورجال الدين والمزارعين، والإضرار باقتصاد يعتمد جزئياً على السياحة الدينية والمنتجات المحلية.

ولا يزال تنفيذ الأمر واختبار فاعليته مرتبطين بقدرة الجيش والشرطة على منع المستوطنين فعلياً من الوصول إلى أراضي البلدة، خصوصاً أن اعتداءات سابقة وقعت رغم وجود القوات الإسرائيلية في المنطقة.

وتأتي الخطوة وسط زيادة واسعة في هجمات المستوطنين في الضفة الغربية، التي شملت إحراق منازل ومركبات وأراضٍ زراعية والاعتداء على السكان والاستيلاء على مساحات لإقامة بؤر جديدة.

واتهم تحقيق صادر عن الأمم المتحدة، في يونيو، السلطات الإسرائيلية بالمشاركة المباشرة أو غير المباشرة في بعض أعمال العنف والتهجير، وهو ما رفضته إسرائيل، مشيرة إلى أن قياداتها السياسية والأمنية أدانت الاعتداءات على الفلسطينيين.

الوجود المسيحي يتقلص

يعيش نحو 50 ألف مسيحي فلسطيني في الضفة الغربية والقدس، ضمن مجتمع يعود وجوده إلى بدايات المسيحية، لكنه يتناقص بفعل الهجرة والقيود الاقتصادية والصراع المستمر.

ولذلك تتجاوز أزمة الطيبة حدود حادث أمني محلي؛ فكل عائلة تغادرها تقرب البلدة من خسارة الصفة التي تميزها بوصفها التجمع الفلسطيني الأخير الذي ظل سكانه جميعاً مسيحيين.

ويضع القرار العسكري إسرائيل أمام اختبار مباشر: إذا كان الهدف حماية البلدة، فسيُقاس نجاحه بعدد المستوطنين الذين يُمنعون من مهاجمتها، لا بعدد الحواجز التي تحيط بسكانها.

أخبار ذات صلة

الجيش الإسرائيلي يعلن بلدتين بالضفة مناطق عسكرية مغلقة
العاهل الأردني يؤكد ضرورة التوصل إلى تهدئة شاملة في المنطقة