تُضاف جبهة جديدة إلى سلسلة التصعيد المستمر في المنطقة، مع تهديد الحوثيين الملاحة الدولية في مضيق باب المندب، إثر هجوم غير مسبوق أسفر عن مقتل 4 أشخاص على الأقل جراء استهداف سفينة في البحر الأحمر قبالة سواحل مدينة المخا اليمنية، بالتزامن مع مواصلة الجماعة هجماتها بالصواريخ والطائرات المسيّرة على المدينة.

ويثير هذا التصعيد تساؤلات بشأن ما إذا كان اليمن مقبلا على مرحلة جديدة من المواجهة، ومن يقف خلف تحركات الحوثيين في هذا التوقيت، والأهداف التي يسعون إلى تحقيقها.

وفي محاولة لتفكيك أبعاد المشهد، قدم الخبير العسكري والاستراتيجي اليمني خالد النسي، خلال حديثه إلى "غرفة الأخبار" على سكاي نيوز عربية، قراءة لخلفيات التصعيد وحساباته الإقليمية.

الحوثيون يشعلون جبهة اليمن

تهديد جدي وحسابات مركبة

يرى النسي أن تهديدات الحوثيين تحمل طابعاً جدياً، معتبراً أن الجماعة لن تقبل إلا بشروطها الخاصة، وأن تحركاتها ترتبط بحسابات عسكرية وأخرى موازية.

ويضيف أن هذه الحسابات تحظى بضوء أخضر إيراني، بل بتوجيهات مباشرة من طهران، معتبراً أن القرار في نهاية المطاف "إيراني بامتياز".

ويوضح النسي أن الحوثيين يحتاجون إلى الغطاء الإيراني، مشيراً إلى أن الجماعة تأخرت حتى الآن في الدخول في أي صراع وفق الحسابات الإيرانية.

غير أنه يرى أن طهران تسعى حالياً إلى توسيع رقعة الصراع وتشتيت القوة العسكرية التي دُفعت باتجاه مياه الخليج العربي والمحيط الهندي ومضيق هرمز، بما يستدعي، وفق قراءته، فتح جبهة أخرى تستنزف جزءاً من هذا الحشد العسكري، وتحديداً الوجود الأميركي في المنطقة.

كما يعتبر أن التحرك الإيراني يرتبط بالأوضاع داخل إيران، إذ يرى أن هذه الجماعات لا تفعل إلا عندما يواجه الداخل الإيراني ظروفاً صعبة تستدعي البحث عن متنفس خارجي.

ويؤكد النسي أن من يملك قرار الحوثيين وسلاحهم ويدير استراتيجيتهم العسكرية هو الجانب الإيراني حصراً، معتبراً أن الحديث عن السيادة أو القرار الوطني اليمني لا مكان له، وفق رؤيته، في ظل هذه المعادلة.

أخبار ذات صلة

مقتل 3 باستهداف صاروخ حوثي سفينة تجارية قرب باب المندب
هجوم الحوثيين على "تهامة".. وزارة النقل اليمنية تكشف الحصيلة

هرمز فقد فاعليته المطلقة.. فلماذا باب المندب؟

ويشير النسي إلى أن بعض خطوط الإمداد، وتحديداً إمدادات الطاقة السعودية، وجدت بديلا عن مضيق هرمز عبر البحر الأحمر من خلال ميناء ينبع، وهو ما يفسر، بحسب تحليله، سعي إيران إلى إغلاق تام لموارد الطاقة.

ويرى أن طهران تدرك انعكاسات مثل هذا الإغلاق على الرأي العام الإقليمي والدولي ومصالح العالم، وتراهن على مواقف القوى الدولية، سواء الاتحاد الأوروبي أو دول شرق آسيا أو الصين.

ويضيف أن وجود بدائل لمضيق هرمز أفقد ورقته فاعليتها المطلقة، ولذلك فإن إيران، عبر امتلاكها جماعة مسلحة لديها صواريخ وطائرات مسيّرة، تستطيع المراهنة على باب المندب والتلويح باستهداف مصالح العالم فيه، كما فعلت في هرمز.

أزمة تتجاوز اليمن إلى أمن العالم

ويشدد النسي على أن تداعيات تحركات الحوثيين لا تقتصر على اليمن شمالا وجنوباً، وإنما تمس أمن واستقرار الدول المشاطئة للبحر الأحمر على الجانبين الأفريقي والآسيوي، إلى جانب قناة السويس والأردن ومصر، وصولا إلى أوروبا التي تضررت مصالحها بعدما كانت تعتمد على هذا الممر كبديل عقب إغلاق هرمز.

ويرى أن التصعيد الأميركي تجاه إيران زاد من حدة الأزمة، بينما أدى التصعيد الحوثي إلى تفاقمها، محذراً من أن تداعيات ما يحدث باتت تعني الجميع.

ويتوقع النسي أن تشهد الأيام المقبلة مواقف ورؤى وتحالفات مختلفة، معتبرا أن إيران، عبر الحوثيين، زعزعت أمن المنطقة واستقرارها، خصوصاً الجانب السعودي، كما وسعت، وفق تعبيره، نطاق تهديد الجماعة ليطال مصالح أوروبا وشرق آسيا.

أخبار ذات صلة

تجدد قصف المخا.. والدفاعات الجوية تسقط مسيّرات حوثية
الساحل الغربي.. إحباط هجوم حوثي قبل انطلاقه

جبهات مشتتة تمنح الحوثيين فرصة للاستمرار

وفي ما يتعلق بمواجهة الحوثيين على الأرض، يرى النسي أن الحل الوحيد يكمن في تفعيل الجبهات البرية، مشيراً إلى وجود جبهات في تعز والساحل الغربي ومأرب والضالع والجوف.

لكنه يعتبر أن المشكلة تكمن في عدم تماسك هذه الجبهات واختلاف أيديولوجياتها وقراراتها، الأمر الذي منح الحوثيين فرصة للاستمرار وتطوير قدراتهم الصاروخية والطائرات المسيرة.

ويرجع النسي ذلك إلى ضعف الشرعية بعد خروج الجنوبيين والمجلس الانتقالي الجنوبي، ما جعلها، بحسب وصفه، "هزيلة وعاجزة عن المواجهة"، إلى جانب غياب صاحب قرار حاسم يتحمل تبعات التصعيد البري مع الحوثيين، في ظل حسابات مرتبطة بالمصالح والأراضي.

ويرى أن هذه الظروف أتاحت للحوثيين مواصلة التهديد في مأرب وحضرموت والمخا، وصولاً، وفق قوله، إلى بيحان وشبوة.

ويخلص النسي إلى أن التعامل مع هذا التصعيد لا يمكن، من وجهة نظره، أن يتم عبر استمرار الوضع الراهن، مؤكداً أن "لا حل مع هذه الجماعة سوى حرب الردع".