أحدثت تصريحات وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار بشأن وقف استيراد الإنسولين والاعتماد على الإنتاج المحلي، جدلا واسعا في مصر، وسط مخاوف لدى مرضى السكري من أن تؤدي سياسة تقليص استيراد المستحضرات الأجنبية إلى صعوبة الحصول على بعض الأنواع التي اعتادوا استخدامها لسنوات.

وجاء الجدل عقب تصريحات للوزير قال فيها إن الدولة لن تستورد الإنسولين في ظل وجود مصانع محلية تنتج مستحضرات مماثلة، داعيا المرضى الذين يرغبون في الحصول على مستحضر مستورد بعينه إلى شرائه على نفقتهم الخاصة.

وعقب ما أحدثته تلك التصريحات من ضجة، عادت وزارة الصحة لتؤكد أن الإنسولين متوافر بكميات كافية في السوق المصرية، وأن الحديث يدور عن تعزيز الاعتماد على البدائل المحلية المسجلة التي تستوفي معايير الجودة والفعالية، وليس عن وقف إتاحة العلاج أو حرمان مرضى السكري منه.

ماذا قال وزير الصحة؟

قال وزير الصحة المصري خلال ظهوره في برنامج تلفزيوني: "مش هقدر أستورد أنسولين ولدينا 4 مصانع في مصر، مفيش منطق أشتري من الخارج، واللي عايزه يجيبه على حسابه من أي صيدلية"، متابعا: "أريد أن أوفر على الدولة عملة صعبة في غير محلها وأريد أن أشجع المنتج المحلي إذا كان بنفس الكفاءة".

وأشار عبد الغفار إلى أن مصر تحصل على المادة الخام المستخدمة في تصنيع الإنسولين المحلي من اثنين من أشهر المصانع العالمية، موضحا أن المادة الخام المستخدمة في المنتج المصري هي نفسها المستخدمة في المنتجات النهائية المستوردة.

كما شدد وزير الصحة خلال جولة حكومية، الثلاثاء، على "توافر الإنسولين بكثرة"، نافيا ما يثار بشأن عدم وجوده، فيما وجه رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي بالتوعية بتوافر بدائل للإنسولين المستورد من المنتجات المحلية التي تضاهي المستورد من حيث النتائج والفعالية.

أخبار ذات صلة

بعد "تجرع السم".. طفلة تثير جدل صرف الوصفات الطبية في مصر
أسماء الصيادلة للإيجار.. جدل أخلاقي وقانوني في مصر

ما حقيقة الأمر؟
من جانبه، قال مصدر مسؤول بوزارة الصحة المصرية لـ"سكاي نيوز عربية"، إن الإنسولين المنتج محليا متوافر ويغطي احتياجات السوق المصرية، لافتا إلى أن "تصريحات الوزير تتعلق بالمرضى الذين يحصلون على علاجهم من الجهات الرسمية سواء التأمين الصحي أو عبر منظومة العلاج على نفقة الدولة، ولا ترتبط بأي حال من الذين يعالجون في القطاع الخاص".

وأوضح أن الإنسولين المنتج محليا يتم تصنيعه باستخدام خامات عالية الجودة، يتم توريدها من كبرى الشركات العالمية المتخصصة في إنتاج الإنسولين، مع وجود 4 شركات مصرية تنتج مستحضرات مماثلة للإنسولين المستورد والمسجلة لدى الجهات المختصة.

وأكد أن "اختيار مستحضر تجاري مستورد بعينه، في الحالات التي يتوافر فيها بديل محلي مماثل ومسجل، يمثل خيارا شخصيا للمريض، ولا يعني عدم توفير الدولة للعلاج أو عدم توافر المادة الفعالة في السوق"، مشيرا إلى أن "استيراد المنتج النهائي بالعملة الأجنبية، في الوقت الذي تمتلك فيه مصر قدرات إنتاجية محلية وبدائل دوائية مسجلة، لا يمثل الخيار الأكثر كفاءة من منظور تعزيز الأمن الدوائي وضمان استدامة توفير العلاج للمواطنين".

وأضاف أن "توفير الدواء للمواطن لا يرتبط فقط بتوافر اسم تجاري بعينه، وإنما بضمان إتاحة المادة الفعالة، إلى جانب توفير البدائل العلاجية المسجلة التي تستوفي معايير الأمان والفعالية والجودة، بما يضمن استمرارية حصول المرضى على العلاج اللازم".

وضع مرضى السكري في مصر

تأتي أهمية الجدل في ظل اتساع قاعدة مرضى السكري في مصر، إذ تشير بيانات الاتحاد الدولي للسكري إلى أن مصر من بين الدول ذات الأعداد الكبيرة من المصابين بالمرض، مع تقديرات تشير إلى نحو 11 مليون مصاب، فيما ترى تقديرات محلية أن العدد الفعلي قد يكون أعلى، في ظل وجود حالات لم يتم تشخيصها نتيجة ضعف الوعي بالمرض.

وبحسب بيانات وزارة الصحة المصرية، يبلغ عدد مرضى السكري الذين تتعامل معهم منظومتا التأمين الصحي والعلاج على نفقة الدولة نحو 2.45 مليون مريض من البالغين، إضافة إلى نحو 60 ألف طفل، في الوقت الذي تبلغ التكلفة الإجمالية لتوفير علاج السكري، من الإنسولين والأقراص، نحو 4.2 مليار جنيه سنويا.

في المقابل، يرى المدير التنفيذي للمركز المصري للحق في الدواء محمود فؤاد أن تصريحات وزير الصحة أثارت مخاوف واسعة بين مرضى السكري ومثلت "صدمة" لأعداد كبيرة، خاصة أن مصر اعتمدت تاريخيا بدرجة كبيرة على استيراد الإنسولين، معتبراً أن دخول 4 شركات مصرية إلى مجال إنتاج مستحضرات مماثلة لم يؤد إلى تغيير جوهري في مستوى الاعتماد على المنتجات المستوردة.

وشدد فؤاد في تصريحات لموقع "سكاي نيوز عربية"، على أن الإنسولين ليس مستحضرا واحدا، وإنما توجد أنواع وتركيبات متعددة تختلف بحسب حالة المريض واحتياجاته العلاجية، إذ أن بعض الفئات، ومن بينها الأطفال والحوامل وكبار السن، قد تحتاج إلى أنواع محددة من الإنسولين وفقا لتقييم الطبيب والحالة الصحية، كما أن اختلاف أنماط التغذية والحالة الطبية قد يفرض اختيار مستحضر بعينه.

أخبار ذات صلة

منظومة جديدة لتسعير الأدوية في مصر تثير جدلاً.. ما قصتها؟
محنة مرضى "الهيموفيليا" في مصر.. الجمارك تضاعف الأزمة

وانتقد فؤاد ما وصفه بمشكلة مستمرة منذ نحو عامين في منظومة العلاج على نفقة الدولة، تتعلق بعدم توافر بعض الأدوية ذات العلامات التجارية الأصلية، واللجوء بدلا منها إلى مستحضرات مماثلة، مضيفا أنه من الصعب، من وجهة نظره، مطالبة مريض اعتاد على دواء محدد لسنوات بالتوقف عنه والانتقال إلى بديل آخر أو تحمل تكلفة المستحضر المستورد على نفقته الخاصة.

وفي الوقت الذي تؤكد فيه وزارة الصحة أن الإنسولين المحلي متوافر ويغطي احتياجات السوق، يرى فؤاد أن الإنتاج المحلي لا يغطي جميع الاحتياجات، وأن الطاقات الإنتاجية للشركات المصرية لا تكفي، بحسب تقديره، لتوفير كل الأنواع المستخدمة عالميا.

وشدد فؤاد على أن الإنسولين يحتاج إلى تعامل خاص من الدولة باعتباره علاجا لمرض مزمن، مشيراً إلى تصنيف منظمة الصحة العالمية للإنسولين ضمن الأدوية المنقذة للحياة، ومعتبراً أن هناك حلولاً أخرى كان يمكن اللجوء إليها قبل إصدار تصريحات بشأن قصر توفير العلاج على البدائل المحلية، مشددا في الوقت ذاته على أن تعزيز الصناعة المحلية هدف مهم، لكنه يجب أن يتزامن مع ضمان حق المريض في الحصول على العلاج الذي يحدده الطبيب، خصوصاً في الحالات التي تستدعي مستحضرات أو تركيبات بعينها