في وقت تتجه فيه الأنظار إلى مسار تنفيذ اتفاق غزة، مدفوعا بزخم أميركي وإقليمي متصاعد، تتزايد المؤشرات على اقتراب دخوله حيز التنفيذ، فيما تواصل الحكومة الإسرائيلية الموازنة بين التزاماتها الخارجية وحسابات الائتلاف اليميني الحاكم.

وفي هذا السياق، قدم الباحث في العلاقات الدولية أشرف العكة، في حديثه لغرفة الأخبار على سكاي نيوز عربية، قراءة لمستقبل الاتفاق، وموازين القوى التي تتحكم في مساره، والسيناريوهات المحتملة في حال تعثره.

اقتراب التنفيذ بضغط أميركي وإقليمي

يرى العكة أن المؤشرات الحالية تعكس تقدما تدريجيا نحو تنفيذ الاتفاق، مستندا إلى المواقف الإقليمية، ولا سيما تصريحات الخارجية المصرية، إضافة إلى مواقف الوسطاء التي تعكس تنسيقا متزايدا مع الولايات المتحدة لضمان التزام إسرائيل ببنود الاتفاق.

وأوضح أن المرحلة الأولى تتضمن وقفا كاملا لإطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية إلى ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، وإدخال المساعدات الإنسانية وفق البروتوكول المتفق عليه، إلى جانب تنفيذ التعهدات المالية المرتبطة بالخطة.

وأشار إلى أن الاتفاق يستند إلى جدول زمني يمتد 210 أيام، يتضمن مراحل تنفيذية وآليات رقابة تفرض التزامات متدرجة على جميع الأطراف، وفي مقدمتها إسرائيل.

غزة.. اتفاق الحل يصطدم بشروط إسرائيلية

تل أبيب وحسابات الائتلاف

واعتبر العكة أن الحكومة الإسرائيلية تحاول التقليل من حجم التزاماتها أمام شركائها في الائتلاف اليميني، عبر تقديم الاتفاق للرأي العام الإسرائيلي باعتباره انعكاسا لموقف متشدد في مواجهة الضغوط الأميركية، خصوصا فيما يتعلق بملف سلاح الفصائل الفلسطينية.

وأضاف أن التفاهمات المبرمة، سواء بين الأطراف الفلسطينية أو مع الوسطاء والجهات الراعية، تقوم على التزامات متبادلة وواضحة، ما يعزز فرص البدء بتنفيذ المرحلة الأولى خلال فترة قصيرة.

ترامب ونتنياهو.. حسابات متداخلة

ويرى العكة أن واشنطن تمتلك مصلحة مباشرة في إنجاح الاتفاق، باعتباره جزءًا من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والمدعومة بقرار دولي وإجماع إقليمي تجسد، بحسب وصفه، في قمة شرم الشيخ.

وأوضح أن الإدارة الأميركية تنظر إلى نجاح الاتفاق من زاوية الحسابات السياسية الداخلية، في ظل اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، وهو ما يجعل المصالح الأميركية والإسرائيلية متداخلة في هذه المرحلة.

في المقابل، اعتبر أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يواجه ضغوطا داخلية متزايدة، وأن أولويات واشنطن ستدفعه في نهاية المطاف إلى الالتزام بالاتفاق، لعدم قدرته على الدخول في مواجهة سياسية مع الإدارة الأميركية خلال مرحلة انتخابية حساسة.

وأضاف أن نتنياهو يسعى، في الوقت نفسه، إلى طمأنة قواعده اليمينية، سواء في مستوطنات غلاف غزة أو في الشمال، عبر التأكيد أن أي انسحاب لن يأتي على حساب الأمن الإسرائيلي، وأن الجيش سيحتفظ بقدرته على مواجهة أي تهديد مستقبلي من حركة حماس أو حزب الله.

واعتبر أن الخطاب الإسرائيلي المتكرر بشأن منع تكرار هجوم السابع من أكتوبر يندرج في إطار التعبئة السياسية الداخلية أكثر من كونه يعكس تغيرًا في مسار الاتفاق.

نتنياهو: لا انسحاب من غزة قبل نزع سلاح حماس بالكامل

التزام محدود.. وتصعيد محسوب

وأشار العكة إلى أن التعليمات الإسرائيلية الأخيرة تقضي بحصر قرار إطلاق النار برئيس الأركان، وفي حالات الضرورة الأمنية المباشرة فقط، معتبراً أن ذلك يعكس بداية التزام إسرائيلي بالاتفاق، وإن ظل التزاما غير مكتمل.

ورأى أن إسرائيل تحاول الإبقاء على مستوى من التصعيد الميداني بما يسمح لها بتمرير الاتفاق داخل الائتلاف الحكومي، في ظل ارتباط كل قرار عسكري أو سياسي بالحسابات الانتخابية ومدى تأثيره على مستقبل نتنياهو وحلفائه، ومن بينهم إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش.

ومع ذلك، شدد على أن إسرائيل لا تستطيع تجاوز الإرادة الأميركية والإقليمية، لافتا إلى أن الموقف المصري بات أكثر وضوحا وحزما في الدفع نحو تنفيذ المرحلة الأولى، ولا سيما ما يتعلق بفتح المعابر وإدخال المساعدات الإنسانية، تمهيدا لانسحاب إسرائيلي لاحق من محور فيلادلفيا.

مخاطر التعثر

وحذر العكة من أن استمرار التعثر قد يقود إلى انهيار الاتفاق والعودة إلى مربع الأزمة، بما يحمله ذلك من تداعيات إقليمية، تشمل تصاعد الضغوط على مصر، ومحاولات إسرائيل التنصل من التزاماتها تجاه لبنان، واستمرار المماطلة في تنفيذ الترتيبات الخاصة بالمناطق التجريبية، إلى جانب تعقيدات متصلة بالملف الإيراني.

واعتبر العكة أن احتمال عودة الاحتلال المباشر وإعادة الاستيطان لا يمكن استبعاده، لكنه سيكون خيارا بالغ الكلفة، وسيفرض على الجيش الإسرائيلي حالة استنزاف طويلة، وهو ما يقر به، بحسب قوله، عدد من الجنرالات والخبراء العسكريين الإسرائيليين.

أخبار ذات صلة

تمرد إسرائيلي على خطة غزة: لن ننسحب أبدا
مجلس السلام يوضح ترتيب خطة غزة: نزع السلاح يسبق الانسحاب

وأضاف أن هذا السيناريو سيزيد تعقيد المشهد الفلسطيني، في ظل السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية تجاه السلطة الفلسطينية، بما يضع الفلسطينيين أمام تحديات مشتركة.

وختم العكة بالتأكيد أن موافقة حركة حماس والفصائل الفلسطينية، إلى جانب توافق المواقف المصرية والإماراتية والقطرية مع التوجه الأميركي، تشكل عوامل ضغط متزايدة تدفع نحو تنفيذ الاتفاق، رغم استمرار التحديات السياسية والميدانية.