بينما تتقلص المهلة التي حددتها الحكومة العراقية لحصر السلاح بيد الدولة، تتكشف تعقيدات ملف بات يختبر قدرة رئيس الوزراء علي الزيدي على الإمساك بزمام قرار طالما تعثر أمام تشابك المصالح السياسية والفصائلية.
في قراءة معمّقة لتفاصيل هذا الملف الشائك، قدّم رئيس مركز التفكير السياسي إحسان الشمري، خلال حديثه إلى "التاسعة" على "سكاي نيوز عربية"، تشريحا دقيقا للمسارات التي يسلكها علي الزيدي، وللعقبات التي تهدد بإجهاضها قبل حلول موعد الاستحقاق.
قلق إقليمي متصاعد يتجاوز حدود الجوار
يرى الشمري أن هناك قلقا متصاعدا لدى دول الجوار العراقي، العربي منها خصوصا دول الخليج العربي، وقد تفاقم هذا القلق بعد تصاعد احتمالية عودة الحرب بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية من جهة، وبعد التهديدات التي أطلقتها الفصائل المسلحة عقب استهداف مقراتها من جهة أخرى. ويشدد على أن طبيعة الاستهدافات لم تقتصر على دول الجوار المباشر، بل تجاوزتها لتعكس اتساع دائرة التوتر الإقليمي المرتبط بالملف.
بغداد تتحرك على مسارين... واحد يتعثر
يوضح الشمري أن الحكومة العراقية تحاول تطويق الأزمة عبر مسارين متوازيين: الأول دبلوماسي، تجلّى في اللقاء الذي جمع وزيري الخارجية السعودي والعراقي واتفقا خلاله على تعزيز التنسيق والتعاون، بما يحول دون تحوّل العراق إلى منصة لاستهداف المملكة العربية السعودية أو دول الجوار العربي الأخرى. والثاني أمني، يتمثل في تكثيف التنسيق مع دول أوصلت رسائل مباشرة إلى بغداد، وفي مقدمتها سوريا والأردن، إضافة إلى وفد أمني سيزور المملكة العربية السعودية. وعلى المستوى الداخلي، يشير الشمري إلى أن قرارات مجلس الأمن الوطني والاجتماعات الطارئة أفرزت خططاً أمنية جديدة ترتبط بإجراءات استباقية على مستوى الحدود.
أما على صعيد مقاربة الزيدي نفسها في ملف السلاح، فيحدد الشمري مسارين اثنين: الأول هو الاحتواء التدريجي للجماعات المسلحة، وقد أحرز تقدماً حين نجح في إقناع نحو أربعة فصائل مسلحة بتسليم سلاحها والتفكير في ارتباطها بهيئة الحشد الشعبي، غير أن هذا المسار توقف بعدما أعلنت كتائب حزب الله وحركة النجباء وسيد الشهداء وأنصار الله الأوفياء رفضها تسليم السلاح في موعد الثلاثين من سبتمبر المقبل أو أي موعد آخر. والمسار الثاني سياسي داخلي، يراهن فيه الزيدي، بصفته القائد العام للقوات المسلحة، على حاضنته السياسية ممثلة بالإطار التنسيقي، لكن الشمري يرى أن هذا المسار قد لا يكون فاعلاً هو الآخر، كون الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة موجودة داخل الإطار التنسيقي وترفض بشكل قاطع عملية تسليم السلاح.
الزيدي أمام لحظة تحول حاسمة
يخلص الشمري إلى أن البيئة السياسية الراهنة لا تنضج، على أقل تقدير، باتجاه عملية حصر أو تفكيك سريع للسلاح، في ظل تباين الآراء الذي أثّر بشكل كبير على خطوات الزيدي. ويصف الشمري اللحظة الراهنة بأنها "لحظة تحول" أمام رئيس الوزراء، إما أن يتحرر من الضغوط السياسية للإطار التنسيقي ويتخذ مسارا جديدا بعيدا عن هذه الضغوط، مشيرا إلى أن الكابينة الحكومية لم تكتمل بعد، إذ لا يزال هناك تسعة وزراء ناقصين، وهو ما يشكل جزءاً من أوراق الضغط التي تمارسها أغلب القوى السياسية.
ويضيف الشمري أن الزيدي يبدو محبطا ليس فقط على مستوى ملف تفكيك السلاح الذي لا يجد تأييدا كاملا من بيئته السياسية، بل أيضا على مستوى ملف مكافحة الفساد، وهذا الإحباط، بحسب تقديره، قد يدفع الزيدي إلى عدم إكمال مهمته إذا لم يتحقق حصر السلاح بحلول 30 سبتمبر، أو إذا ما اتخذ خطوات ضد الرافضين لمسار مكافحة الفساد وتفكيك السلاح، ما قد يُعرقل عمله ويفتح الباب أمام سحب الثقة من حكومته.
القانون بديلاً عن المواجهة العسكرية
رغم أن الحكومة العراقية لم تستخدم مصطلح "الصدام"، فإنها تحدثت عن إجراءات مختلفة، يرى الشمري أنها إجراءات قانونية موجهة ضد هذه الجماعات وقادتها، لا سياسية، مستندا إلى تقارير وتصريحات تفيد بأن رئيس الوزراء سيُخضع كل من يتورط بحمل السلاح خارج إطار الدولة بعد الثلاثين من سبتمبر، أو يكون مسؤولاً عن هجمات، للقانون العراقي. ويستحضر في هذا السياق ما أصدره رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان من أن السلاح الخارج عن إطار الدولة يُلاحق بالطرق الدستورية والقانونية، معتبرا أن ذلك قد يمنح الزيدي غطاءً ودعماً في آن واحد. ويرجّح الشمري أن التصادم العسكري لن يكون خيارا سريعا بعد الثلاثين من سبتمبر، لكن إن لجأ الزيدي إلى استخدام القوة لنزع السلاح، فقد يحدث احتكاك محدود يمكن تطويقه داخليا دون أن يكون مفتوحا.
الرهان على التهدئة والصفقة الإقليمية
يشير الشمري إلى أن أكثر ما يقلق الزيدي هو احتمال عودة الحرب وتحوّل الجغرافيا العراقية إلى أرض اشتباك وتصفية حسابات، لذلك يحاول قدر الإمكان تجنيب هذه الجغرافيا أي تداعيات حتى في حال عودة الحرب، معوّلا على التهدئة مع دول الجوار العربي كافة، وعلى العلاقة المتميزة التي تجمعه بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب لاستثمارها في منع استهداف إسرائيل للعراق.
ويعوّل الزيدي أيضا على وصول القوى السياسية والفصائل إلى قناعة بأن أي توجه لاستخدام العراق منصة استهداف جديدة أو الانخراط في الحرب سيفتح السماء العراقية أمام هجمات واسعة، إلى جانب استمراره في المسار الدبلوماسي. ويلفت الشمري إلى أن الزيدي يعوّل كذلك على طاولة مفاوضات قد تُنتج هدنة أو تسوية تتناول ما يعرف بالأذرع الإيرانية، معتبراً أن حل الملف عبر اتفاق يمثل المسار الأقل كلفة بالنسبة إليه.
تفاوت الخطورة بين السلاح الخفيف والثقيل
في قراءته لطبيعة السلاح المنتشر خارج إطار الدولة، يقسّمه الشمري إلى 3 فئات: خفيف ومتوسط وثقيل، مؤكدا أن الأخطر هو السلاح الثقيل الذي تطور ليشمل الطائرات المسيّرة والصواريخ المتوسطة، وأحيانا البعيدة المدى بحسب بعض التقارير، وهو ما يشكل خطرا كبيرا إن امتلكته جهات عشائرية. أما السلاح الخفيف، فإن إدراجه ضمن عملية إحصاء تتبناها وزارة الداخلية العراقية قد يجعله مضبوطا نسبيا، في حين تبقى فئة السلاح المتوسط، مع وجود معلومات عن امتلاك بعض العشائر أسلحة ثقيلة أيضا، مصدر خطر إضافي. ويرى الشمري أن التجاوب مع عمليات حصر سلاح العشائر أقل كلفة على الحكومة مقارنة بملف الفصائل، إذ يمكنها تنفيذ عمليات حصر سريعة عبر فرق تفتيش، مع الإبقاء على السلاح الخفيف ضمن أطر قانونية محددة.