يفتح استهداف ميناء دمياط المصري بطائرة مسيّرة، وهو أبعد نقطة تطالها ضربة منذ اندلاع الحرب مع إيران، الباب أمام تساؤلات معمّقة حول هوية الجهة المنفّذة، ونقطة الانطلاق الفعلية للمسيّرة، والرسالة السياسية الكامنة خلف توقيت الضربة ومكانها.

في قراءة تحليلية معمقة، يفكك الخبير العسكري والاستراتيجي العميد محمود محيي الدين ملابسات الحادث خلال حديثه إلى "التاسعة" على سكاي نيوز عربية، مستندا إلى معطيات ميدانية وفنية دقيقة، ويكشف عن حسابات معقّدة تتقاطع فيها مصالح طهران مع أخطاء ميدانية قد تكلّفها غاليًا في علاقتها بالقاهرة.

هجوم دمياط .. استهداف يثير التساؤلات

ويؤكد محيي الدين أن البحث والدراسة يقودان إلى قناعة راسخة بأن إيران وميليشياتها المتعاونة معها هي من تقف وراء استهداف المصالح الأميركية ومصالح النفط والغاز، في إطار سعيها للتأثير على الإمداد العالمي للطاقة.

ومن الناحية العملياتية، يوضح أن الاستهداف نفذ من البحر وفي البحر، وطال أيضًا حاوية خارج الميناء تعمل في مجال إسالة الغاز أو إعادة ضخّه، لافتًا إلى أن محطات الغاز في دمياط باتت تمثّل هدفًا استراتيجيًا عالميًا للتنمية لا للحرب.

لبنان في صدارة الاحتمالات وغرب العراق لا يزال حاضرا

يرجح الخبير أن تكون المسيرة قد انطلقت من الأراضي اللبنانية، أو من إحدى السفن أو اللنشات اللبنانية في عرض البحر المتوسط، معتبرا ذلك اجتهادا بالدرجة الأولى.

ولا يستبعد في المقابل احتمال انطلاقها من منطقة غرب العراق، مستشهدًا بأن القيادة المركزية الأميركية أعلنت أن وكالة الاستخبارات المركزية أخطرتها بوجود 4 خلايا تعمل داخل العراق بتوجيه من الحرس الثوري الإيراني لتنفيذ هجمات بالمسيّرات، وهو ما ثبت بالتحقيق في إصابة منشآت النفط وخطوطه وحقوله في السعودية.

من الناحية الفنية، يشير محيي الدين إلى أن مسيرات "شاهد" قادرة على قطع مسافات تصل إلى ألفي كيلومتر، وهو ما يجعل اختراق الدفاعات الجوية السورية والمرور فوقها نحو شرق المتوسط أمرا ممكنا نظريا، إلا أنه يرجح فنيا أن الإطلاق تم من عائمة بحرية في شرق المتوسط، قد تكون لبنانية أو عناصر متعاونة داخل سوريا مع المخابرات الإيرانية أو الحرس الثوري.

هل انضمت دول جديدة للصراع الأميركي الإيراني؟

ويصف الخبير عملية الاستهداف بأنها "احترافية" من الناحية التنفيذية، مستندا إلى قدرة المسيرات على التحليق على ارتفاعات منخفضة جدًا لا تتجاوز 50 إلى 100 متر، ما يمكّنها من الإفلات من رصد العائمات البحرية التابعة لحلف الناتو المنتشرة قبالة سواحل لبنان وإسرائيل. غير أنه يشدد على أن هذه الضربة تمثّل، في المقابل، خطأً استراتيجيا إيرانيا فادحا، كون استهداف ناقلة أميركية راسية في ميناء مصري يحمل تداعيات سياسية بالغة الخطورة على طهران.

ويطرح محيي الدين في هذا السياق نقطتين جوهريتين: الأولى أن الحرس الثوري الإيراني بات خارجا عن سيطرة القيادة السياسية في طهران، خصوصا أن الخطاب السياسي الإيراني يصف مصر بأنها دولة صديقة ووسيط يسعى للتهدئة. أما الثانية، فتتعلق باحتمال أن تكون خلايا تابعة للحرس الثوري، يديرها ضباط ميدانيون في الأنبار وغرب العراق أو في لبنان، قد تكون هي من اتخذت قرار التنفيذ دون مرجعية سياسية واضحة، وبمعزل عن إدراك حجم التداعيات السياسية المترتبة عليه.

الحوثي ينأى بنفسه.. والقاهرة تملك أوراق ضغط كبرى

وثمن الخبير سرعة نفي الحوثيين تورطهم في الحادث، مذكرا بأن الجماعة لم تستهدف المصالح المصرية منذ اندلاع الحرب في فبراير الماضي، نظرا لإدراكها أن ذلك يمثل خسارة كبرى لها في ظل تواجد قوات بحرية مصرية في باب المندب والبحر الأحمر، وقدرات نوعية في قاعدة برنيس القريبة من اليمن.

وينتقل محيي الدين إلى تظهير الرسالة المصرية بوضوح: فوساطة القاهرة، بحسب وصفه، تختلف عن أي وساطة أخرى، إذ يمتلك الجانب المصري قدرات عسكرية وسياسية تؤهله لحسم موازين القوى في الإقليم إن انحاز استراتيجيا لأي طرف.

هجوم دمياط.. ماذا كشفت التحقيقات بشأن استهداف الميناء المصري

ويحذر من أن إصرار إيران أو ميليشياتها على تكرار استهداف منشآت أجنبية على الأراضي المصرية، رغم كونها منشآت تنموية بإرادة مصرية واتفاقيات دولية لا عسكرية، سيكلّف طهران ثقة القاهرة الاستراتيجية، مؤكدًا أن مصر قادرة على فرض حصار بحري في باب المندب يمنع إيران من الدخول إلى تلك المنطقة.

ويوضح الخبير أن قدرة إيران على التأثير في مسارات التجارة العالمية تنحصر أساسا في مضيق هرمز، إلا أن ما يقلق طهران هو بروز خطوط بديلة عربية عربية تخرج كلًّا من إسرائيل وإيران من المعادلة، مستشهدا بمساعي السعودية والإمارات والكويت، وحتى قطر التي حافظت على سمعتها في سوق الغاز رغم إعلانها القوة القاهرة، واشترت 33 شحنة أميركية لتوريدها إلى شرق آسيا.

ويختم محيي الدين بالتأكيد على أن توسع رقعة الحرب أمر وارد، في ظل تنامي التأثير الأميريكي على مواقف الاتحاد الأوروبي وشركائه في الناتو تجاه المشاركة في هذه الحرب. ويستشهد بأن إصرار إيران على توجيه ضربات عبر وكلائها إلى الخطوط البديلة، كما حدث في بقيق وجازان وينبع، ومحاولة استهداف محطة غاز دمياط، لن تمر دون.