تدرس هيئة الدواء في مصر تطبيق معادلة جديدة لإعادة صياغة آليات تسعير المستحضرات الدوائية، في محاولة لتحقيق توازن دقيق بين ضمان توافر الدواء بأسعار مناسبة من جهة، والحفاظ على استدامة الشركات العاملة في القطاع وقدرتها على مواصلة الإنتاج والاستثمار من جهة أخرى.

وأكد رئيس لجنة التصنيع الدوائي بنقابة الصيادلة المصرية محفوظ رمزي، أن نظام تسعير الدواء المعمول به حاليا يعتمد على احتساب التكلفة المباشرة وغير المباشرة، إلى جانب مصروفات التسويق وسعر المادة الخام بالدولار، وهو ما كان يتناسب مع الظروف الاقتصادية وقت صدور القرار، مشددا على أهمية تبنى نظام أكثر مرونة فى تسعير الأدوية.

وأوضح في حديث لموقع "سكاي نيوز عربية"، أن الزيادات المتتالية في سعر صرف الدولار منذ تعويم الجنيه عام 2016 فرضت ضغوطا متزايدة على شركات الأدوية، مما استدعى مراجعات متكررة لأسعار عدد من المستحضرات لضمان استمرار الإنتاج وتوفير الدواء في السوق.

وتابع أن هيئة الدواء المصرية كانت تتعامل مع طلبات الشركات عبر مفاوضات تهدف إلى تحقيق التوازن بين مصالح الصناعة واحتياجات المرضى، مضيفا أن شركات الأدوية واصلت الإنتاج رغم زيادة سعر الدولار، وأن حجم الإنتاج عام 2017 بلغ نحو 3.9 مليار وحدة دوائية.

وأكد رمزي أن تحريك أسعار الأدوية كان يستهدف تمكين الشركات من الاستمرار في الإنتاج وتقليل الفجوة الناتجة عن ارتفاع تكلفة مستلزمات التصنيع المستوردة، لافتا إلى أن خفض قيمة الجنيه في أكتوبر 2022، واستمرار ارتفاع سعر الدولار خلال عامي 2023 و2024، أدى إلى زيادة الضغوط على قطاع الدواء.

وبحسب المصدر، فإن شركات الأدوية كانت تتقدم بشكل مستمر بطلبات لزيادة الأسعار، بينما كانت هيئة الدواء المصرية تدرس الطلبات وتجري مفاوضات مع الشركات للوصول إلى آلية تحقق التوازن بين استمرار الإنتاج وحماية المريض.

ربط أسعار الدواء بالمؤشرات الاقتصادية

تقوم العلاقة بين شركات الأدوية والجهات المنظمة للتسعير وفقا لرمزي، على تحقيق التوازن بين البعد الاجتماعي، الذي يضمن حصول المواطن على الدواء بسعر مناسب، والبعد الاقتصادي الذي يضمن استمرار الشركات في الإنتاج وعدم تعرضها للخسائر.

ولفت إلى أن شركات الأدوية، سواء المصرية أو العالمية، تقدمت بمقترح لتطوير منظومة تسعير الدواء، يقوم على ربط الأسعار بالمؤشرات الاقتصادية المعلنة، مثل معدلات التضخم، وأسعار الطاقة، وتكاليف الشحن العالمية، مع وضع حد أقصى لنسب تحريك الأسعار لحماية المواطنين من الزيادات المفاجئة.

أخبار ذات صلة

تسببوا في "عمى" 75 مريضا.. مسؤولو مستشفى مصري أمام القضاء
أدوية نفسية على تيك توك.. خطر يهدد الشباب المصري

وأوضح أن المقترح يتضمن أيضا تفعيل آليات التقييم الاقتصادي الصحي والتسعير القائم على القيمة، وهي أنظمة مطبقة في عدد من الدول مثل ألمانيا وبريطانيا، بحيث لا يعتمد تسعير الدواء على تكلفة إنتاجه فقط، وإنما على القيمة العلاجية والاقتصادية التي يحققها للنظام الصحي.

وتابع أن "بعض الأدوية الحديثة، رغم ارتفاع سعرها، قد توفر على الدولة نفقات أكبر كانت ستتحملها في علاج المضاعفات أو تكاليف التشخيص"، مؤكدا أن توفير هذه الأدوية للمريض في الوقت المناسب يحقق توفير اقتصادي على المدى الطويل.

تحريك تدريجي

وطالب بتطوير نظام تسعير المجموعات العلاجية المتوازنة، بحيث لا يتم تحريك أسعار جميع المستحضرات التي تحتوي على المادة الفعالة نفسها في وقت واحد، وإنما يتم ذلك على مراحل، بما يضمن استمرار توافر بدائل بأسعار مناسبة ويحد من تأثير الزيادات على المواطنين.

كما دعا إلى استكمال التحول الرقمي في منظومة تسعير الدواء، وربطها بقواعد بيانات هيئة الدواء والمخازن والصيدليات، بما يتيح توحيد سعر الدواء في جميع الصيدليات، وتسريع إجراءات فحص طلبات التسعير، ورصد المخزون الدوائي والتنبؤ المبكر باحتمالات حدوث نواقص في السوق.

وأكد أهمية تطبيق نظام "العقود القائمة على تقاسم المخاطر" بين الدولة وشركات الأدوية، خاصة مع التوسع في منظومة التأمين الصحي الشامل، بما يسمح بتوفير الأدوية الحديثة، ولا سيما علاجات الأورام والأدوية مرتفعة التكلفة، وفق آليات تحقق أفضل قيمة للدولة وتضمن وصول العلاج إلى المرضى.

ومع استمرار المتغيرات الاقتصادية وارتفاع تكلفة الإنتاج، تبدو مراجعة منظومة تسعير الدواء خطوة تفرضها طبيعة المرحلة، بما يضمن استدامة الصناعة دون الإخلال بحق المريض في الحصول على علاج آمن ومتاح، وبينما يتم دراسة تطبيق معادلة جديدة للتسعير، يترقب المصنعون والمستهلكون على حد سواء ملامح الآلية المرتقبة، ومدى قدرتها على تحقيق معادلة تجمع بين دعم الاستثمار في قطاع الدواء، والحفاظ على استقرار السوق وتوافر المستحضرات بأسعار عادلة.