أثار قرار رئيس الحكومة الليبية المكلفة من البرلمان، أسامة حماد، بحظر دخول مواطني 4 دول إلى الأراضي الليبية، تفاعلا واسعا في الأوساط السياسية والحقوقية الليبية، بالتزامن مع تصاعد الجدل بشأن ملف الهجرة غير النظامية والإجراءات المتخذة للحد منها، وسط تساؤلات بشأن مدى تطبيقه على أرض الواقع.

وأصدر حماد، قرارا يقضي بمنع دخول رعايا السودان وإريتريا وإثيوبيا والصومال إلى ليبيا عبر جميع المنافذ البرية والبحرية والجوية، في الوقت الذي استسنى أعضاء البعثات الدبلوماسية والقنصلية المعتمدين وأفراد أسرهم المشمولين بالامتيازات الدبلوماسية، بجانب العاملين في قطاعي التعليم والصحة والمهن الطبية المساعدة، شريطة حصولهم على الموافقات الرسمية.

ويقول محللون ومراقبون، في حديثهم لموقع "سكاي نيوز عربية"، إن ملف الهجرة يعد من أبرز التحديات التي تواجه السلطات الليبية، إذ تشير تقديرات رسمية إلى وجود أعداد كبيرة من المهاجرين غير النظاميين داخل البلاد، معتبرين أن الأسباب التي دفعت إلى استهداف رعايا السودان وإريتريا وإثيوبيا والصومال تحديدا، باعتبارها دول تعد من أبرز مصادر تدفقات الهجرة غير النظامية الوافدة إلى ليبيا عبر الحدود الجنوبية والشرقية.

ويتزامن القرار في وقت تشهد فيه مناطق شرق وجنوب ليبيا حملات أمنية مكثفة تستهدف الحد من ظاهرة الهجرة غير النظامية وملاحقة شبكات التهريب، في الوقت الذي سبق أن قررت الحكومة الليبية تشكيل لجنة عليا لمتابعة أوضاع الوافدين والمهاجرين غير القانونيين واتخاذ التدابير اللازمة حيالهم.

وقدرت المنظمة الدولية للهجرة عدد المهاجرين الموجودين داخل ليبيا بنحو 940 ألف شخص، في بلد يبلغ عدد سكانه حوالي 7 ملايين نسمة.

ماذا يعني القرار؟

يرى المحلل السياسي والمستشار الاستراتيجي الإيطالي المختص بالشؤون الليبية، دانييلي روفينيتي، أن قرار السلطات في شرق ليبيا يعكس تنامي المخاوف بشأن تدفقات الهجرة غير النظامية العابرة للأراضي الليبية، ولا سيما القادمة من السودان ومنطقة القرن الأفريقي.

وأوضح روفينيتي في حديثه لموقع "سكاي نيوز عربية"، أنه "يمكن النظر إلى هذا القرار باعتباره محاولة لتعزيز إدارة الحدود وإظهار قدر أكبر من السيطرة على مسارات الهجرة، وهي قضية أصبحت أكثر حساسية في الآونة الأخيرة من المنظورين الأمني والإداري".

وشدد على أنه "بصورة أوسع، لا تزال الهجرة غير النظامية تشكل ضغطا على المؤسسات في مختلف أنحاء ليبيا، غير أن الهجرة تمثل جانبا واحدا فقط من تحد أشمل يتداخل فيه أمن الحدود، وشبكات الاتجار بالبشر، وحالة عدم الاستقرار الإقليمي، فضلا عن استمرار الانقسام السياسي".

وبشأن مدى فاعلية هذه القرارات، لفت المحلل السياسي الإيطالي إلى أن "ذلك يعتمد على قدرة السلطات على تنفيذها وإنفاذها، وكذلك على التطورات في الدول المجاورة التي لا تزال تمثل عوامل رئيسية تدفع تدفقات الهجرة إلى الاستمرار".

أخبار ذات صلة

ليبيا.. حظر دخول رعايا 4 دول عبر جميع المنافذ
انتشال 15 جثة على سواحل شرقي ليبيا

 ترحيل المهاجرين مستمر

وبالتزامن مع القرار، يستمر جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في ليبيا، في تنفيذ حملاته الرامية إلى ترحيل المهاجرين غير النظاميين، إذ أعلن ترحيل 41 مهاجرا من الجنسيتين البنغلاديشية والباكستانية من مدينة سرت إلى مركز إيواء بنغازي الكبرى، تمهيدا لإعادتهم إلى بلدانهم عبر مطار بنينا الدولي.

وقبل ساعات، نفذ الجهاز عملية ترحيل لـ 35 مهاجرا غير شرعي من الجنسية التشادية، إذ ضمت الحالات أشخاصا صادرة بحقهم قرارات إبعاد من النيابة العامة، وآخرين مطلوبين لتنفيذ أحكام قضائية، بالإضافة إلى حالات مصابة بأمراض معدية، فضلا عن أشخاص تم ضبطهم لدخولهم البلاد بطرق غير شرعية، وفق بيان رسمي.

وأوضح الجهاز أن نقل المهاجرين يأتي في إطار الخطة الأمنية الهادفة إلى تنظيم أوضاع الوافدين والمهاجرين غير النظاميين، واتخاذ الإجراءات اللازمة بحق المخالفين وفقاً للقوانين والتشريعات النافذة.

وسبق أن قال رئيس جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية الليبي، اللواء صلاح الخفيفي، إن تفاقم ظاهرة الهجرة غير الشرعية بات يمثل تهديدا مباشرا للأمن القومي الليبي والأمن العربي ما استدعى تشديد الإجراءات الأمنية والتنظيمية للحد من الظاهرة وضبطها، مؤكدا في الوقت نفسه استمرار تقديم الرعاية الإنسانية للمهاجرين الموجودين داخل مراكز الإيواء.

هل يطبق القرار بغرب ليبيا؟

من جانبه، اعتبر عضو المجلس الأعلى للدولة في ليبيا، أحمد اهمومة، أن قرار حظر دخول مواطني بعض الدول إلى ليبيا يهدف بالدرجة الأولى إلى الحد من ظاهرة الهجرة غير النظامية، وتنظيم أوضاع الوافدين الراغبين في العمل داخل البلاد بما يضمن حقوقهم القانونية، فضلا عن الحد من محاولات الهجرة البحرية غير الآمنة التي تسببت في فقدان أعداد كبيرة من المهاجرين في عرض البحر.

وقال اهمومة، في حديثه لموقع "سكاي نيوز عربية"، إن "القرار يستهدف وضع حد للفوضى المرتبطة بملف الهجرة، وتنظيم دخول العمالة الأجنبية، بما يكفل حقوق المتعاقدين مع المؤسسات الليبية من مواطني هذه الدول وفق الأطر القانونية المعتمدة".

لكن عضو المجلس الأعلى للدولة، شدد على أن تطبيق القرار يقتصر عمليا على المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة المكلفة من البرلمان، مؤكدا أنه "لن يطبق بالصيغة ذاتها في مناطق غرب ليبيا" الخاضعة لحكومة الوحدة الوطنية.

وأضاف أن حكومة الوحدة الوطنية تتجه بدورها إلى تنظيم أوضاع المهاجرين عبر إنشاء سجلات للحصر والتوثيق وإثبات البيانات، بهدف متابعة أوضاعهم القانونية داخل البلاد.

ورأى اهمومة أن جهود الحكومتين لا تزال غير كافية لاحتواء التدفقات الكبيرة للمهاجرين عبر الحدود الجنوبية، في ظل استمرار دخول أعداد متزايدة بشكل يومي، وعدم القدرة على وقف هذه التدفقات قبل وصولها إلى الأراضي الليبية، محملًا الاتحاد الأوروبي جانباً من مسؤولية تفاقم الأزمة، معتبراً أن تراجع الدعم الأوروبي وعدم الوفاء بالتعهدات السابقة المتعلقة بمساعدة ليبيا في مكافحة الهجرة غير النظامية أسهما في تعقيد المشهد وزيادة الضغوط على السلطات الليبية.

أخبار ذات صلة

ملف الهجرة "ينفجر" مجددا في ليبيا.. ما القصة؟
ليبيا.. انتشال 17 جثة يعتقد أنها لمهاجرين

أكبر مصادر الهجرة

من جانبه، اعتبر أستاذ القانون الدولي والمحلل السياسي الليبي محمد الزبيدي، في تصريحات لموقع "سكاي نيوز عربية"، أن الدول المشمولة بقرار حظر الدخول تعد من أبرز مصادر الهجرة غير الشرعية، سواء للمهاجرين العابرين للأراضي الليبية في طريقهم إلى أوروبا، أو للمهاجرين الذين استقروا داخل ليبيا.

وأوضح أن "الإحصاءات المتعلقة بالمهاجرين الذين تضبطهم السلطات المختصة تشير إلى أن النسبة الأكبر منهم تنتمي إلى هذه الدول"، لافتا إلى إنشاء مراكز إيواء تضم أعدادا كبيرة من المهاجرين، خاصة في مناطق الجنوب الشرقي بالقرب من مدينة الكفرة.

ووفقا لبيانات المنظمة الدولية للهجرة، شكل المهاجرون القادمون من السودان والصومال وتشاد النسبة الأكبر من إجمالي المهاجرين الموجودين داخل ليبيا، فيما أظهرت البيانات انتشارهم في مختلف أنحاء البلاد، بما في ذلك مدن الشرق الليبي التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى أبرز نقاط الانطلاق والعبور باتجاه السواحل اليونانية.

وأضاف أن السلطات الليبية وجدت نفسها غير قادرة على توفير الغذاء والدواء والخدمات الأساسية لهذه الأعداد المتزايدة، في وقت تراجعت فيه الدول الأوروبية عن تقديم المساعدات اللازمة للتعامل مع هذه الأزمة، بينما تواصل إعادة المهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر إلى ليبيا.

وأشار الزبيدي إلى أن المنظمة الدولية للهجرة تؤدي دورا في توطين المهاجرين داخل ليبيا، على حد تعبيره، رغم أن ليبيا ليست عضوا في المنظمة.

ورأى أستاذ القانون الدولي أن هذه الخطوة جاءت في أعقاب احتجاجات شعبية شهدتها ليبيا رفضا لما يصفه المحتجون بسياسات التوطين، وكذلك اعتراضا على دور المنظمة الدولية للهجرة.

كما أشار "الزبيدي" إلى أن القرار يأتي بعد الاجتماع الذي عقدته عدة دول أوروبية في روما لبحث ملف الهجرة، والذي تضمن توافقا على إعادة المهاجرين إلى البلدان التي قدموا منها، بما في ذلك دول العبور، وفي مقدمتها ليبيا.