في لحظة استثنائية تعيد رسم خرائط النفوذ الدولي، لم تعد قضايا الشرق الأوسط مجرد شأن إقليمي هامشي في حسابات القوى العظمى، بل تحولت إلى ملف يؤثر مباشرة في الأمن والاقتصاد العالميين.
من هنا تكتسب المشاركة العربية في قمة مجموعة السبع المنعقدة في إيفيان الفرنسية أهمية تتجاوز البعد الرمزي، لتجسد تنامي دور الدول العربية في إدارة الأزمات الدولية الكبرى.
وتتعاظم هذه الأهمية مع تصدر الملف الإيراني جدول أعمال القمة، في ظل ارتباط أي ترتيبات مستقبلية بأمن الخليج وحرية الملاحة والاستقرار الإقليمي.
الإمارات شريك استراتيجي.. حضور يتجاوز البروتوكول
في قراءته لدلالات المشاركة الإماراتية، يؤكد الباحث في الشؤون الأميركية والشرق أوسطية محمد الظهوري خلال حديثه إلى رادار على سكاي نيوز عربية أن اللقاء يعكس المكانة الاستراتيجية لدولة الإمارات في الحسابات الأميركية، مستشهداً بوصف الرئيس دونالد ترامب للإمارات بأنها "حليف رائع".
ويؤكد الظهوري أن هذه العلاقات ليست وليدة اللحظة، كاشفا عن وتيرة تواصل مكثفة على أعلى المستويات منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير: "في مارس كانت هناك مكالمتان بين الرئيس ترامب والشيخ محمد بن زايد، وفي أبريل مكالمة، وفي مايو مكالمة، وفي يونيو لقاء". هذا الزخم الدبلوماسي يثبت، وفق الظهوري، المكانة الراسخة للإمارات في الاستراتيجية الأميركية.
علاقات متجذرة.. من السياسة إلى الفضاء والذكاء الاصطناعي
ويشدد الباحث في الشؤون الأميركية على أن العلاقات الإماراتية الأميركية متجذرة ولا تقتصر على المجال السياسي فحسب، بل تمتد لتشمل المجالات الدفاعية والأمنية والاقتصادية.
ويضرب الظهوري أمثلة ملموسة: "وجدنا تعاوناً في مجال الذكاء الاصطناعي، ومجال الطاقة النظيفة، ومجال الفضاء"، مشيراً إلى حديث ترامب عن الاستثمارات الإماراتية التي ارتفعت من 3 تريليونات إلى 19 تريليوناً.
ويعتبر أن هذا النمو يعكس "الرؤية الإماراتية للدور الأميركي وقوة الولايات المتحدة في النظام الدولي"، مؤكداً أن "الرهان الإماراتي هو على الدور الأميركي في الحفاظ على السلم والأمن الدوليين".
ويلفت الظهوري إلى أن الإمارات عبرت عن دعمها للمسار الذي سلكته الإدارة الأميركية الحالية في التمسك بالمفاوضات، وهو ما تجسد في البيان الصادر عن وزارة الخارجية الإماراتية مؤخراً.
أمن الخليج.. من قضية إقليمية إلى أولوية عالمية
من جانبه، يؤكد أستاذ القانون الدولي الدكتور عامر فاخوري، أن قمة السبع هي "أهم قمة تعقد على المستوى الدولي من الناحية السياسية والاقتصادية والدبلوماسية"، مشيراً إلى أن الدول الأعضاء تسيطر على ما يقارب 30% من الناتج الاقتصادي العالمي.
ويلفت فاخوري إلى أن دعوة قادة عرب على رأسهم الشيخ محمد بن زايد تعكس إدراكاً دولياً بأن دول المنطقة المؤثرة تملك "مفاتيح ما بعد الاتفاق".
ويوضح فاخوري: "نحن بحاجة إلى دول تستطيع أن تحافظ على هذا الاتفاق، وأن يكون لها تأثير كبير"، مضيفاً أن هذه الدعوة تعكس نظرة العالم إلى دول الخليج، وتحديداً الإمارات، باعتبارها دولا ذات مصداقية وأهمية كبرى في العلاقات الدولية.
ويصف فاخوري أمن الخليج بأنه "جزء لا يتجزأ من أمن المنطقة وأمن العالم"، معتبراً أن الرسالة الموجهة إلى إيران من القمة واضحة: "المجتمع الدولي لن يسمح بوجود نظام جديد مختلف عما تقرره العلاقات الدولية والقانون الدولي في مضيق هرمز".
ويشدد على أن "هناك نظاماً مستقراً في مضيق هرمز منذ عشرات السنين قائماً على حرية الملاحة والعبور دون رسوم أو التزامات أو أي تعطيل".
ويختم فاخوري بأن هذه الرسالة ليست موجهة لإيران فقط، بل "للعالم كله، بأنه لن يقبل ولن يسمح بأن تكون هناك إرادة منفردة في تعطيل حرية الملاحة في مضيق هرمز".
ترامب وسياسة الخطابات الثلاثية.. حسابات داخلية وإقليمية
في تحليله لتصريحات الرئيس الأميركي، يكشف محمد الظهوري عن استراتيجية تواصلية معقدة: "أقرأ تصريحات ترامب بناءً على 3 مسارات: الأول موجه لإسرائيل، والثاني لإيران، والثالث للداخل الأميركي".
ويوضح أن التصريحات المتشددة تهدف إلى طمأنة إسرائيل، بينما تحمل تصريحات أخرى رسائل تهدئة للإيرانيين.
ويغوص الظهوري في عمق الانقسامات داخل الإدارة الأميركية، كاشفاً عن جناحين متنافسين: "تيار الصقور" الذي يمثله مدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف ووزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الحرب بيت هيغسيث، مقابل تيار آخر يضم جاريد كوشنر وويتكوف يصور المذكرة على أنها "انتصار استراتيجي".
مذكرة التفاهم بين الغموض القانوني والتعقيدات السياسية
يقدم الدكتور عامر فاخوري تحليلا قانونياً دقيقاً لمذكرة التفاهم التي لم تُنشر بنودها بعد، لكن خطوطها العريضة تشير إلى أن "وقف الحرب يجب أن يشمل جميع الجبهات"، وهو ما يوجه الأنظار مباشرة إلى لبنان.
ويحذر فاخوري من تحدٍ رئيس: "المذكرة تستخدم مصطلحات عامة تحمل الكثير من التأويل والتفسيرات"، دون وجود آلية واضحة لتفسير بنودها، مما قد يسبب نزاعات من اليوم الأول.
ويطرح فاخوري إشكالية قانونية جوهرية: "القاعدة القانونية تقول إن مذكرة التفاهم مبرمة بين دولتين ولا تفرض التزاماً على دولة ثالثة"، في إشارة إلى إسرائيل التي ليست طرفاً فيها.
ويزيد من حدة هذا المأزق تصريح نتنياهو بأنه "في أي لحظة نشعر فيها بتهديد من لبنان سنقوم باستخدام القوة".
ويرى فاخوري أن إسرائيل "ليس لها مصلحة في أن تنتهي الأمور بهذه الطريقة" التي بدأت بها الحرب، محذراً من أن هذا "أكبر تحدٍ عملي" يواجه المذكرة.
ويخلص أستاذ القانون الدولي إلى أن المذكرة رغم أهميتها في وقف الحرب، تواجه ملفات "صعبة جداً" لا يمكن حلها خلال 60 يوماً، مرجحاً الحاجة إلى تمديدها لفترة أطول، شريطة عدم انهيارها.