في خضم مفاوضات شاقة تدور رحاها في أروقة وزارة الخارجية الأميركية، كشف الكاتب الصحفي نايف عازار، في حديثه لـ"غرفة الأخبار" على سكاي نيوز عربية، عن صورة مركبة ومتشعبة لمسار التفاوض اللبناني الإسرائيلي، تتداخل فيها حسابات الداخل الإسرائيلي بتطلعات لبنان إلى وقف النار، فيما تمسك واشنطن بزمام المبادرة دون أن تخفي قلقها من مراوغة تل أبيب.
مصدر لبناني كشف لسكاي نيوز عربية عن توقعات بتحقيق خرق في هذه المحادثات، رغم استمرار التباين بين الجانبين، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة تضغط على إسرائيل لدفع المفاوضات إلى الأمام.
لا يجد عازار حرجا في تلخيص المشهد التفاوضي بعنوان ثلاثي صريح: "لبنان يتعاون، إسرائيل تراوغ، وواشنطن تتململ".
فلبنان، وفق تحليله، ذهب إلى طاولة المفاوضات وهو يدرك أنه لا يملك أي ورقة ضغط عسكرية لوقف الآلة الحربية الإسرائيلية، فلم يبق أمامه سوى الدبلوماسية، وهو جاد في المطالبة بوقف فوري لإطلاق النار شرطاً أوليا لأي تقدم. أما إسرائيل، فيرى عازار أنها لا تريد وقف النار أصلا، وأنها تدخل المفاوضات لتمرير الوقت لا لتحقيق اختراق.
وبين هذين الموقفين، يقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب مصرا على تسجيل إنجاز، لا سيما بعد تدخله الشخصي الذي أفضى إلى تجنب ضربات كانت ستطال الضاحية الجنوبية لبيروت بصورة عنيفة.
ترامب يكبح نتنياهو.. والمعادلة العسكرية تختبر الهدنة الهشة
تكشف معطيات عازار أن ترامب تمكن فعليا من "وضع مظلة حماية" للضاحية الجنوبية، في مقابل أن يحجم حزب الله عن استهداف شمال إسرائيل.
غير أن حزب الله استهدف في الساعات الأخيرة قاعدة عسكرية إسرائيلية لا مناطق مدنية، وهو ما يراه عازار "حسابا دقيقا" من الحزب لتجنب تصعيد مفتوح.
وقد وصف ترامب نفسه اتصاله بنتنياهو بأنه كان "عاصفا للغاية"، في دلالة على حدة الضغط الأميركي المباشر.
ويلفت عازار إلى أن نتنياهو لا يستمع لأحد على وجه الأرض إلا للرئيس ترامب، مستشهدا بسابقة حرب الاثني عشر يوماً بين إسرائيل وإيران، حين أجبر ترامب الطائرات الإسرائيلية المنطلقة على تحويل مسارها، لتستهدف في نهاية المطاف رادارات إيرانية في منطقة نائية، كحل وسط بين الإرادتين.
ويميز عازار بوضوح بين مستويي الخلاف الأميركي الإسرائيلي: "خلاف تكتيكي في الأشخاص، لا خلاف استراتيجي بين الدولتين". فترامب، بخلفيته كرجل أعمال يحتاج إلى إنجازات ويفتخر بأنه "أطفأ 8 حروب"، يريد أن يوصف بـ"إطفائي العالم".
في المقابل، نتنياهو يعمل تحت ضغوط داخلية هائلة مع اقتراب انتخابات الكنيست، فسكان شمال إسرائيل لن يقبلوا أي اتفاق قبل نزع سلاح حزب الله.
"المنطقة التجريبية".. فكرة أميركية لاختبار ما بعد الحرب
على صعيد المقترحات المتداولة، يشير عازار إلى مفهوم ما يعرف بـ"البايلت زون" أو المنطقة التجريبية، وهي فكرة أميركية تقضي بتجميد العمليات في منطقة محدودة جنوب لبنان، ينسحب منها الجيش الإسرائيلي ليحل محله الجيش اللبناني، الذي يشرع بدوره في عملية نزع سلاح حزب الله تدريجياً.
ويرى عازار أن هذا الطرح قد يجد مساحة للتطبيق في ظل الضغوط الأميركية المتصاعدة على نتنياهو.
بيد أن الواقع اللبناني أكثر تعقيداً مما تبدو عليه الخرائط النظرية؛ فرغم القرارات التاريخية للحكومة اللبنانية بنزع سلاح حزب الله، واعتباره ميليشيا خارجة عن الدولة، وإعلان بيروت مدينةً منزوعة السلاح، يؤكد عازار أن هذه القرارات لم تطبق بالكامل على أرض الواقع.
ويزيد الأمر تعقيداً أن حزب الله رفض التعاون مع الجيش اللبناني، ولم يسلمه خرائط أنفاقه أو حقول ألغامه، مما أسفر عن سقوط 12 قتيلا من الجيش اللبناني خلال عمليات التعامل مع هذه المواقع.
ويخلص عازار إلى أن لبنان بحاجة إلى ثلاثة عناصر متلازمة: توافق سياسي داخلي، ودعم أمريكي تقني وعسكري، وأفكار تسووية وسطية.
3 سيناريوهات.. والأكثر ترجيحاً ليس الأفضل
يختتم عازار تحليله برسم ثلاثة سيناريوهات محتملة:
يبقى السيناريو المتفائل الأبعد في المدى المنظور، ويتمثل في التوصل إلى اتفاق أمني دائم يشمل انسحاب الجيش الإسرائيلي ودخول الجيش اللبناني، ونزع سلاح حزب الله تمهيداً لاتفاق سلام وتطبيع.
أما السيناريو الكارثي، فيتجسد في شن إسرائيل عملية واسعة على الضاحية الجنوبية، أو إقدام حزب الله على عمل يقلب موازين الردع، مما يُعيد الجميع إلى دوامة الحرب الشاملة.
في حين يرجّح عازار السيناريو الوسطي: تمديد وقف إطلاق النار وتثبيته، ووضع ترتيبات أمنية وآليات للمراقبة، عبر جلسات متتالية بين البنتاغون ووزارة الخارجية الأمريكية. ويختم بالقول إن "لبنان خطا الخطوة الأولى في رحلة ألف ميل التفاوضية".