أغلقت محكمة تونسية، فصلا جديدا من أكثر الملفات القضائية إثارة للجدل في البلاد، بإصدار أحكام مشددة في القضية المعروفة إعلاميا بـ"الجهاز السري" لحركة النهضة، والتي تعد من أبرز القضايا المرتبطة بالحركة ذات الجذور الإخوانية.

وقضت المحكمة بالسجن المؤبد بحق الغنوشي، مع إضافة عقوبات سجنية أخرى، في القضية المرتبطة باتهامات تتعلق بالإرهاب وتأسيس جهاز أمني سري لخدمة الحركة.

ويرى محللون ومراقبون، في حديثهم لموقع "سكاي نيوز عربية"، أن الأحكام الصادرة في قضية "الجهاز السري" تمثل محطة مفصلية في مسار حركة النهضة وتيار الإسلام السياسي في تونس، إذ تفتح الباب أمام تداعيات سياسية وقانونية تتجاوز الأشخاص المدانين إلى مستقبل الحركة نفسها.

ويرجح المحللون أن تؤدي تلك القضية إلى اتخاذ إجراءات قانونية وإدارية بحق حركة النهضة كحزب سياسي، فضلًا عن تراجع نفوذ تيار الإسلام السياسي في البلاد.

تداعيات مباشرة

ويقول الباحث التونسي المتخصص في شؤون الجماعات المتطرفة، أعلية علاني، لموقع "سكاي نيوز عربية"، إن الأحكام الصادرة في قضية "الجهاز السري" تمثل، من الناحية السياسية والقضائية، خطوة أولى نحو إغلاق ملف حركة النهضة كفاعل حزبي رئيسي في المشهد التونسي، مشيراً إلى أن تداعيات القضية قد تمتد مستقبلاً إلى إجراءات قانونية تتعلق بالحركة نفسها.

وأضاف علاني أن "هذا الحكم من شأنه أن يُحدث تأثيراً واسعاً على الرأي العام التونسي، باعتباره يطوي صفحة مشاركة تيار الإسلام السياسي في حكم تونس لمدة طويلة".

وتوقع علاني أن تتجاوز انعكاسات القضية الحدود التونسية لتطال عدداً من دول الجوار التي تتابع باهتمام مسار الحركات ذات المرجعية الإسلامية، متابعًا أن "موقع تيار الإسلام السياسي في النظام العالمي الجديد سيكون ضعيفا للغاية في انتظار ظهور مبادرات جديدة وجدية لإصلاح الفكر الديني وتحديثه مستقبلا".

إجراءات مباشرة ضد "النهضة"

بدوره، اعتبر المحلل السياسي التونسي أبو بكر الصغير، أن "الأحكام الصادرة في قضية "الجهاز السري" لحركة النهضة تمثل أهم حدث سياسي تشهده تونس خلال المرحلة الحالية، بالنظر إلى طبيعة هذا الجهاز وخطورته، بوصفه أحد أكثر الهياكل التنظيمية والمؤسساتية سرية داخل الحركة"، مشيرا إلى أنه كان يعمل تحت إشراف مباشر من رئيس الحركة راشد الغنوشي، الذي كان يتولى اختيار أعضائه دون الإعلان عن هوياتهم.

وأوضح الصغير في تصريحات لموقع "سكاي نيوز عربية"، أن "الكشف عن وجود هذا الجهاز شكل في حينه صدمة كبيرة للرأي العام التونسي، إلا أن خطورته الحقيقية برزت لاحقا مع انكشاف تفاصيل نشاطه وطبيعة الأدوار المنسوبة إليه، وما ارتبط به من ملفات وأعمال إجرامية، الأمر الذي كشف للتونسيين حجم المشروع الذي كان يُدار خارج الأطر الرسمية للدولة".

وأضاف أن الجهاز أقام ما يشبه "دولة موازية" داخل مؤسسات الدولة، من خلال بنية أمنية واستخباراتية وعسكرية مرتبطة مباشرة بالحركة، لافتًا إلى ما عُرف لاحقًا بـ"الغرفة السوداء" داخل وزارة الداخلية، والتي ضمت وثائق وتقارير سرية اعتُبرت ذات صلة بأمن الدولة وتم الكشف عنها خلال مسار التحقيقات.

وأشار إلى أن "المعطيات التي ظهرت بشأن نشاط الجهاز تضمنت عمليات متابعة وتجسس طالت شخصيات تونسية وأجنبية، وأخطر ما نُسب إلى الجهاز يتمثل في ارتباطه بملف الاغتيالات السياسية".

وبشأن مستقبل حركة النهضة، أكد المحلل السياسي التونسي أن "الأحكام الصادرة في القضية تفتح الباب أمام مراجعة مصير حركة النهضة سياسيًا وقانونيًا"، معتبرًا أن "السلطات التونسية باتت مطالبة بحسم مستقبل الحركة داخل المشهد السياسي، خاصة أنها تمتلك ما يكفي من المستندات والأسانيد القانونية التي قد تتيح لها اتخاذ خطوات إضافية بحق الحركة"، متوقعاً أن "تترك هذه القضية آثاراً عميقة على مستقبل الحركة التنظيمي والسياسي خلال المرحلة المقبلة".

أخبار ذات صلة

تونس.. المؤبد لراشد الغنوشي في قضية "الجهاز السري"
المهاجرون في تونس.. عبور إلى أوروبا أم تغيير ديمغرافي؟

ما تفاصيل قضية "الجهاز السري؟

تتهم السلطات التونسية قيادات في حركة النهضة بتأسيس جهاز أمني سري خلال الفترة التي أعقبت ثورة 2011.

وأصدرت الدائرة الجنائية المختصة بقضايا الإرهاب بالمحكمة الابتدائية في تونس، أحكامها بحق 35 متهماً، بينهم قيادات بارزة في حركة النهضة، تراوحت بين السجن المؤبد وأحكام بالسجن لمدد تصل إلى عشرات السنوات.

وبحسب ما نقلته وكالة الأنباء التونسية الرسمية عن مصدر قضائي، فقد قضت المحكمة بسجن رئيس حركة النهضة ورئيس البرلمان السابق راشد الغنوشي مدى الحياة، مع إضافة 30 عاماً أخرى إلى العقوبة، فيما أصدرت حكماً بالسجن لمدة 42 عاماً بحق نائب رئيس الحركة ورئيس الحكومة الأسبق علي العريض.

كما شملت الأحكام عقوبات بالسجن المؤبد مع إضافات تصل إلى 96 عاما في بعض الحالات، من بينها المتهم مصطفى خذر، إلى جانب أحكام أخرى تراوحت بين 48 و10 سنوات سجناً لبقية المتهمين، مع فرض مراقبة إدارية لمدة خمس سنوات على جميع المدانين عقب انتهاء مدة العقوبة.

وأدين المتهمون بتهم تتعلق بـ"تكوين وفاق إرهابي"، و"الانضمام عمداً إلى وفاق له علاقة بالجرائم الإرهابية"، و"وضع كفاءات وخبرات على ذمة وفاق إرهابي"، إضافة إلى اتهامات أخرى منصوص عليها في قانون مكافحة الإرهاب التونسي.

وتعود جذور القضية إلى سنوات سابقة، لكنها اكتسبت زخماً كبيراً منذ عام 2018، عندما اتهمت هيئة الدفاع عن السياسيين اليساريين الراحلين شكري بلعيد ومحمد البراهمي حركة النهضة بإدارة ما وصفته بـ"جهاز سري" يعمل خارج مؤسسات الدولة.

واتهمت الهيئة هذا الجهاز بالتورط في اغتيال بلعيد في فبراير 2013، والبراهمي في يوليو من العام نفسه، فضلاً عن التجسس واختراق مؤسسات الدولة الأمنية والقضائية وجمع معلومات حساسة.

في المقابل، رفضت حركة النهضة الاتهامات الموجهة إليها، ووصفت القضية بأنها ذات دوافع سياسية، معتبرة أن الهدف منها تصفية الحركة وإقصاؤها من المشهد السياسي التونسي، في حين تؤكد السلطات التونسية أن القضايا المرفوعة ضد قيادات النهضة ذات طابع جنائي وإرهابي بحت، وتنفي وجود أي دوافع سياسية وراء الملاحقات القضائية.

ويُنظر إلى ملف "الجهاز السري" باعتباره أحد أطول وأبرز المعارك القضائية التي واجهتها حركة النهضة خلال السنوات الأخيرة، في ظل سلسلة من القضايا الأخرى التي طالت عدداً من قياداتها، وتشمل ملفات تتعلق بالتمويل الأجنبي، والتآمر على أمن الدولة، والتحريض، وجرائم أخرى.

ويقبع راشد الغنوشي (85 عاماً)، في السجن منذ أبريل 2023، بعد صدور أحكام أخرى بحقه في قضايا منفصلة تتعلق بتمويل الحزب من الخارج، وبث الكراهية، والتحريض على أمن الدولة.

حركة "مأزومة"
ويقول الباحث في شؤون الأمن الإقليمي والإرهاب، أحمد سلطان، إن الأحكام الصادرة في قضية "الجهاز السري" تمثل إغلاقا لمرحلة قضائية استمرت سنوات، مع توقع استمرار القضية عبر مسارات الطعن والاستئناف خلال الفترة المقبلة.

وأشار سلطان في تصريحات لموقع "سكاي نيوز عربية"، إلى أن حركة النهضة تعيش أزمة ممتدة منذ المواجهة التي اندلعت بينها وبين الرئيس التونسي قيس سعيد عقب إجراءات يوليو 2021 حين تم الإطاحة بالحكومة وتجميد عمل البرلمان، موضحاً أن الإجراءات التي اتخذتها السلطات خلال السنوات الماضية أسهمت في تقليص نفوذ الحركة وحضورها في الشارع التونسي.

وأضاف أن "تراجع الحركة لا يرتبط فقط بالضغوط والإجراءات الرسمية، بل يعود أيضاً إلى فقدانها جانباً كبيراً من رصيدها الشعبي، بعدما أخفقت في تلبية التطلعات التي علقها عليها قطاع واسع من التونسيين بعد عام 2011، الأمر الذي انعكس على صورتها ومكانتها السياسية".

ويرى أن "تجربة النهضة في الحكم واجهت تحديات كبيرة وانتهت إلى نتائج لم ترق إلى مستوى التوقعات التي صاحبت صعودها إلى السلطة".

وأوضح الباحث في شؤون الإرهاب أن "تجربة النهضة، التي قُدمت لفترة طويلة باعتبارها نموذجاً مختلفاً داخل تيار الإخوان، انتهت في نظر كثير من المراقبين إلى نتائج مشابهة لتجارب أخرى للحركة في المنطقة"، معتبراً أن هيمنة الاعتبارات التنظيمية والحزبية على العمل السياسي أسهمت في تعميق الأزمات التي واجهتها الحركة خلال السنوات الماضية.

أخبار ذات صلة

تونس.. تحركات "احترازية" وإجراءات وقائية ضد شبح إيبولا
المدرب التونسي يكشف تشكيلة "نسور قرطاج" لكأس العالم