بينما نجحت الوساطة التي تحدث عنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في وقف ضربة إسرائيلية كبيرة على الضاحية الجنوبية لبيروت، كان آلاف اللبنانيين من أبناء الجنوب اللبناني ما زالوا بعيدين عن منازلهم.

فالتفاهم الذي تحدث عنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب وأشار أنه جاء بموافقة حزب الله، ربما أعاد الهدوء النسبي إلى الضاحية، لكنه لم يبدد شعوراً متنامياً لدى بعض النازحين بأن الجنوب بات خارج أولويات المرحلة.

وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس الثلاثاء إن واشنطن وافقت على "معادلة جديدة" تقضي بأن تقوم الدولة العبرية ضاحية بيروت الجنوبية، في حال هاجم حزب الله مناطقها الشمالية.

وبحسب بيان صادر عن وزارة الدفاع، قال كاتس خلال مؤتمر عن الصادرات الدفاعية إنه نسّق ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع الجيش "لإرساء معادلة جديدة: التعامل مع ضاحية بيروت الجنوبية كما يتم التعامل مع بلدات الشمال"، مضيفا "إذا استمر استهداف البلدات الإسرائيلية، فسنقوم بإخلاء وضرب الضاحية الجنوبية في بيروت، معقل حزب الله".

ولم يشن حزب الله هجمات على شمال إسرائيل بعد هذا التفاهم، في الوقت الذي أكدت إسرائيل استمرار عملياتها في جنوب لبنان، وهو ما شوهد في الغارات والاستهدافات التي تعرضت لها مناطق مختلفة في الجنوب غداة الحديث عن المعادلة الجديدة.

وذكرت وسائل إعلام لبنانية أن الغارات ‌الجوية وقصف المدفعية الإسرائيلية لجنوب لبنان اليوم أسفر عن مقتل أربعة أشخاص على الأقل

في بلديتين.وأصدر الجيش الإسرائيلي إنذارا لسكان مدينة النبطية، وهي أحد أهم معاقل حزب الله، لمغادرتها قبل شن الغارات. وقالت إسرائيل إن قواتها تتمركز في مواقع جنوبي النبطية "لتعزيز العمليات في جنوب ‌لبنان". وسيطرت القوات الإسرائيلية على قلعة الشقيف التاريخية جنوب شرقي النبطية. 

وقالت ‌جماعة حزب الله إنها أطلقت اليوم قذائف مدفعية على قوات إسرائيلية قرب قلعة الشقيف وعلى مركبات عسكرية إسرائيلية جنوبي

النبطية. ولم تعلن الجماعة عن شن أي هجمات صاروخية عبر الحدود منذ أمس الاثنين. وخففت إسرائيل جزئيا القيود في بعض مناطقها الشمالية اليوم مما سمح للناس بالعودة إلى العمل والدراسة في حين رفعت القيود بالكامل في مناطق أخرى. 

وفي هذا المشهد، يبرز السؤال التالي، لماذا تُرك الجنوب اللبناني ينزف وحده؟

رغم اختلاف المواقف السياسية بين الجنوبيين، إلا أن القاسم المشترك في معظم الأحاديث كان الشعور بالخذلان والخوف من المستقبل.

فبعد أشهر طويلة من التصعيد والنزوح والدمار، يجد كثيرون أنفسهم أمام واقع جديد يفرض أسئلة صعبة حول مصير قراهم وإمكانية إعادة إعمارها وعودة الحياة إليها.

وفي ظل استمرار التوتر والضبابية السياسية، يبقى السؤال الأكثر حضوراً في جلسات الجنوبيين النازحين على أرصفة بيروت "لماذا لم تفكر بنا المقاومة، وهل كان بالإمكان تجنب كل هذا الدمار، أم أن الجنوب كان مجدداً ساحة يدفع أهلها وحدهم كلفة الصراعات والحروب".

خلال جولة لموقع "سكاي نيوز عربية" بين عدد من أبناء الجنوب المقيمين مؤقتاً في بيروت بعد نزوحهم من قراهم الحدودية، بدا واضحاً حجم الإحباط والغضب الذي يسيطر على كثيرين ممن يشعرون بأن مناطقهم دفعت الثمن الأكبر للحرب، فيما بقيت معاناتهم خارج أي معادلة حقيقية للحماية.

أخبار ذات صلة

جولة تفاوض جديدة بين إسرائيل ولبنان.. ومصدر يكشف طلب بيروت
الرئيس اللبناني: لا خيار آخر غير التفاوض مع إسرائيل

كثيرون يتساءلون عن جدوى كل ما جرى بعدما تحولت قرى بأكملها إلى مناطق مدمرة أو شبه خالية من سكانها.

تقترب سيدة وتمتم "لا داعي للكلام لم يعد يجدي نفعاً وقد يعرضنا لمخاطر أكثر ".

يقول أبو حسن (62 عاماً) من إحدى قرى قضاء بنت جبيل لموقع سكاي نيوز عربية إن "الناس كانت تسمع طوال سنوات شعارات تربط أمن الجنوب بمعادلات الردع، لكن ما حصل خلال الأشهر الماضية جعل كثيرين يشعرون بأنهم تُركوا وحدهم يواجهون مصيرهم".

ولدى سؤاله عن نواب حزب الله يجيب" لم نر أحدا".

ويضيف: "خسرنا منازلنا وأرزاقنا، وعندما ننظر اليوم إلى قرانا نجدها مدمرة. السؤال الذي يطرحه الجميع: من يتحمل مسؤولية ما وصلنا إليه".

غضب متزايد

أما فاطمة الخمسينية وهي أم لثلاثة أبناء تقيم حالياً في بيروت، فتقول لموقع سكاي نيوز عربية إن "الغضب يتزايد بين الأهالي بسبب استمرار معاناتهم من دون أفق واضح للعودة وإعادة الإعمار". وتضيف: "لا منازل بقيت في بلداتنا الجنوبية ولا حتى مقابر عن أي مقاومة يتحدثون".

وتتابع: "هناك شعور عند شريحة واسعة من الناس بأن الجنوب لم يعد أولوية.. كل يوم نسمع عن ترتيبات سياسية وأمنية، لكن أحداً لا يتحدث عن الأهالي الذين فقدوا بيوتهم ومستقبل أولادهم".

من جهته، يرى علي (55 عاما) أن "حزب الله يتحمل جزءاً أساسياً من المسؤولية عما جرى."

ويقول: "مهما اختلفت الآراء السياسية، هناك واقع لا يمكن تجاهله. قرار الدخول في المواجهة كانت له نتائج كارثية على القرى الجنوبية. الناس اليوم تسأل إن كان أحد قد حسب حجم الخسائر التي تكبدها المدنيون".

ويضيف: "كثيرون باتوا يعتقدون أن الجنوب دفع الثمن الأكبر، بينما لم يحصل على أي ضمانات تحميه أو تعوض خسائره".

أما غادة وهي من بلدة حدودية مختلطة، فتعبّر عن إحساس متزايد بالمرارة بين السكان، قائلة: "عندما ترى حجم الدمار في القرى، تشعر وكأن المنطقة تُركت لمصيرها. الناس تريد إجابات واضحة عمّا حدث، وتريد معرفة كيف ستعيش بعد اليوم".

ولا يخفي بعض الجنوبيين اعتقادهم بأن مناطقهم تحولت إلى ورقة ضمن حسابات أكبر منهم.

ويقول نبيل (40 عاماً) إن "هناك من يردد اليوم في المجالس الشعبية أن الجنوب بيع في بازار المصالح والتسويات، سواء كان هذا الكلام دقيقاً أم لا، لكنه يعكس حجم النقمة واليأس الموجودين بين الناس".

ويختم "المواطن العادي لم يعد يهتم بالشعارات بقدر اهتمامه ببيته وأرضه ومستقبل أولاده".