لم يعد المهاجرون الأفارقة من إفريقيا جنوب وغرب الصحراء يتخذون المغرب مجرد معبر للوصول إلى ما يعتبره البعض الفردوس الأوروبي، بل صار موطنا لهم واستقروا فيه وبنوا أسرهم بعد أن وجدوا فرصا للعمل خاصة في المجال الفلاحي.

وفي الأعوام الماضية كان آلاف الأفارقة يموتون في قوارب الموت في محاولتهم الهجرة السرية من المغرب إلى أوروبا، كما كانت توقف السلطات آلاف المهاجرين قبل لحظات من ركوبهم أمواج البحر في قوارب مطاطية إلى الضفة الأخرى.

غير أن الأمر تغير في السنوات الأخيرة، مع تضييق السلطات المغربية الخناق على الهجرة السرية، لجأ المهاجرون إلى الاستقرار في المغرب والبحث عن عمل لكسب لقمة العيش بعد تعذر الالتحاق بزملائهم في أوروبا، وهو ما استفادت منه الضيعات الفلاحية الكبرى وأوراش البناء، إذ وجدت يدا عاملة لسد النقص الشديد الذي يعاني منه السوق.

الاستقرار والعمل في المغرب هو الهدف

أبوبكر، شاب سنغالي، قال في حديثه مع "سكاي نيوز عربية" إنه جاء إلى المغرب منذ عام 2017، واستقر في مدينة أكادير جنوب غرب المغرب، حيث يشتغل ويتاجر في الحلي والإكسسوارات والملابس في "سوق الأحد" الذي يعتبر أكبر سوق في القارة السمراء كلها.

أبوبكر يتاجر في الحلي والإكسسوارت في سوق الأحد بأكادير

وعند سؤاله عن حلم الهجرة إلى أوروبا، قال أبو بكر: "لا، حاليا لا، أنا الآن مع زوجتي وطفلتي".
ورغم أن الشعور بالغربة جزء أساسي من حياة المهاجر الذي ترك بلده حيث ولد وتربى وهاجر إلى بلاد أخرى بحثا عن لقمة العيش، قال أبو بكر إنه لا يشعر بالغربة مؤكدا أنه "مرتاح" هنا بين المغاربة.

وعن العودة إلى بلاده الأم السنغال، قال أبو بكر إنه يريد ذلك، مضيفا أنه سافر إلى هناك عدة مرات منذ قدومه إلى المغرب.

وغير بعيد عن طاولة أبوبكر التي تضم مختلف الإكسسوارات والمجوهرات النسائية خاصة، وبعض الساعات الرجالية، إلى جانب أزياء تقليدية يرتديها أبناء جنوب الصحراء، يجلس محمد، الذي جاء هو الآخر من السنغال إلى المغرب، وقال لـ"سكاي نيوز عربية" إن يشتغل في مدينة مراكش، وجاء إلى المغرب منذ عام 2023.

وأكد محمد أنه لا يسعى ولا يفكر في الهجرة إلى "الفردوس الأوروبي"، مضيفا أنه جاء إلى المغرب من أجل العيش وسيعود إلى السنغال.

أما ياسمين، الشابة الكاميرونية التي جاءت إلى المغرب قبل 6 سنوات، وتشتغل في محل يضم إكسسوارات النساء وبعض مستحضرات التجميل النسائية ويقدم كذلك خدمة النقش بالحناء في سوق الأحد بأكادير، فقالت إنها جاءت إلى المغرب من أجل الاستقرار والعمل وليس كطريق للهجرة إلى أوروبا، غير أنها لا تمانع الهجرة إلى "القارة العجوز" إذا سمحت لها الفرصة بذلك.

المحل الذي تعمل فيه ياسمين

وأكد الخبراء الذين تحدثوا ل"سكاي نيوز عربية" أن المهاجرين الأفارقة بدأوا في الاندماج داخل المجتمع المغربي، ويستغلون الفرص التي يتيحها سوق الشغل خاصة في المجال الفلاحي ومجال البناء، لكسب لقمة العيش وبناء الأسر بعدما كانوا في السابق يأتون إلى المغرب أملا في ركوب أمواج الموت للوصول إلى أوروبا.

نموذج شتوكة آيت باها

وينتشر المهاجرون من جنوب الصحراء في مختلف المناطق في المغرب، في حين أن إقليم شتوكة آيت باها الذي يقع على بعد حوالي 50 كلم عن مدينة أكادير، يعد من أكثر المناطق التي ينشط فيها المهاجرون الأفارقة خاصة في مجال الفلاحة.

وفي هذا السياق، قال خالد ألعيوض، الدكتور والأستاذ الباحث في الهجرة والتنمية المحلية، إن قدوم المهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء إلى شتوكة آيت باها بدأ منذ عام 2016، مضيفا: "بدأوا يستقرون في تلك المناطق، خاصة في آيت عميرة، وكان أغلب المستقرون من غينيا كوناكري والكوت ديفوار".

أخبار ذات صلة

مخاوف  أوروبية بشأن "أزمة مهاجرين" جديدة
استنفار غير مسبوق.. المغرب يمنع محاولة هجرة جماعية إلى سبتة

وأوضح في حديثه لموقع "سكاي نيوز عربية": "في ظرف سنتين إلى ثلاثة ارتفع العدد ليتجاوز 4000 مستقر في قرية تسمى أكرام، وبحكم أن الضيعات الفلاحية المنتشرة في تلك المنطقة كانت بحاجة إلى عمال، بدأوا بالعمل فيها".

وشرح المصدر أن "المهاجرين وكانوا في الأول يسكنون على شكل مجموعات في منزل واحد، غير أن حلم الهجرة إلى أوروبا ما زال يراودهم، ولكن بعد مدة بدأوا في الاستقرار ثم الزواج، وأصبح الرجل المتزوج يخرج من السكن الجماعي ليسكن مع زوجته في سكن خاص، ومن ثم يلدون أطفالا، واليوم لدينا في المدارس المغربية أطفال مهاجرون أفارقة يدرسون في المستوى الخامس ابتدائي".

وأضاف ألعيوض أن "المهاجرين من جنوب الصحراء يشكلون تكتلات في الدواوير، وهنا أصبحنا أمام استقرار وليس مجرد عبور، وبدأوا في الانسجام داخل المجتمع المغربي ويلعبون كرة القدم ويقيمون احتفالاتهم الخاصة، وهنا بدأت مظاهر الاستقرار ومحاولة الاندماج، وهذا الأخير يستلزم تعلم اللغة، وقد أصبح العديد من المهاجرين يتقنون الدارجة، ويربطون علاقات ودية مع الساكنة المحلية بعدما كانت في الأول متوترة، غير أنهم أصبحوا اليوم عملة مهمة في الإنتاج الزراعي، إذ واجهت الضيعات الفلاحية مشاكل كبيرة في توفير اليد العاملة خلال السنوات الماضية، والحل كان هو المهاجرين الأفارقة من جنوب الصحراء".

وأفاد ألعيوض أن منطقة شتوكة آيت باها وحدها تضم أكثر من 17 جنسية من إفريقيا جنوب الصحراء، موضحا أنه "يعيشون كجماعات، كل جنسية في مجموعة ولكل مجموعة رئيس ينتخبه الأعضاء، كما أن لديهم مكتبا خاصا يشرف على شؤونهم الاجتماعية، والتكفل بالعلاقات مع قنصلية بلادهم، وفي حال مرض أحدهم يتضامنون معه ويحاولون شراء الدواء له".

وأكد ألعيوض أن المهاجرين من جنوب الصحراء يتعايشون مع المغاربة وبدأوا يفهمون الثقافة والخصوصية المغربية ويحترمونها، عكس الجيل الأول من المهاجرين، وأصبح رؤساء المجموعات يحضرون دورات تكوينية مع منظمات دولية خاصة باللاجئين، ما يوحي إلى بداية تشكل جالية من تلك البلدان.

وأشار العيوض إلى أن الاتحاد الأوروبي سيستفيد من استقرار المهاجرين الأفارقة في المغرب، لأنهم يأتون إلى هنا ويستقرون ويعملون وبعدما يصلون إلى سن متقدمة يعدلون عن قرار الهجرة.

أخبار ذات صلة

رقم قياسي للقتلى والمفقودين خلال محاولة الهجرة إلى إسبانيا
القوات المغربية تعترض أكثر من ألف مهاجر غير شرعي شمال البلاد

المسؤولية الجماعية

وفي ذات السياق، قال عبد الفتاح الزين، الخبير في شؤون الهجرة، إن الأفارقة يهاجرون لأنهم لا يجدون سبل بناء مشروع الحياة، مؤكدا أنه لا وجود لمهاجرين غير نظاميين بل مهاجرين في نزاع مع القانون.

وأضاف الزين في تصريح لـ"سكاي نيوز عربية" أن النظام العالمي قائم على مقولة: "أحمق من يعتقد أن خارج بلاده أحسن من بلاده"، مشيرا إلى أن المغرب يرى بأن توفير الأمن ضروري لكنه ليس كافيا ويجب خلق مشاريع تنموية، ولذلك أطلق مشروع المبادرة الإفريقية الأطلسية مع إدماجية دول الساحل الإفريقي لتجفيف منابع الإرهاب.

وأشار الزين إلى أن أغلب المهاجرين الذين يدخلون إلى المغرب يدخلون عبر الجزائر وموريتانيا، وأن الرباط تناضل داخل الاتحاد الإفريقي لاعتماد المبادرة التي قدمتها وتقوم على المقاربة الثلاثية وتقضي بوجوب أن تتحمل دول الانطلاق والعبور والإقامة المسؤولية.

الاقتناع بفكرة الاستقرار

ومن جهته قال الباحث المتخصص في شؤون الهجرة، خالد مونة، إن عملية اندماج المهاجرين في المجتمع تمر من مرحلة أولها اقتصادية، "إذ نلاحظ أن العديد من المهاجرين من جنوب الصحراء يعملون في الضيعات الفلاحية خاصة في الجنوب ويشتغلون في أوراش البناء التي تعاني من نقص حاد في اليد العاملة، وبعدها يأتي تعلم الدارجة المغربية واللغة الأمازيغية كمدخل أساسي للتواصل داخل المجتمع المغربي".

وأوضح مونة في تصريح لموقع "سكاي نيوز عربية" أن "الاندماج ينبني أساسا على فكرة الاستقرار في المغرب، فبعدما يفكر المهاجر في العمل والاستقرار والسكن وتعلم اللغة للتواصل في الحياة اليومية، يؤمن بشكل صريح أنه سيستقر داخل المغرب".

وأضاف أن هذا الاندماج داخل المجتمع المغربي قد يكون خفف الضغط على الاتحاد الأوروبي بحكم أنهم لم يعودوا يستطيعون الوصول إلى أوروبا، مضيفا أنه "يمكننا إدماجهم داخل المجتمع لملء الخصاص في سوق العمل، خاصة في أوراش البناء وقطاعي المطاعم والفلاحة".

استراتيجية المغرب في تدبير الهجرة

وصادق المغرب على الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء سنة 2014، وتقوم على أساس التدبير الإنساني للحدود واحترام حقوق الإنسان وحماية المهاجرين والأشخاص في وضعية هشاشة

وبفضل هذه السياسة، أضحى المغرب أرضا للاستقبال يتمتع فيها اللاجئون بحماية كاملة، وتتضمن الاستراتيجية برامج أساسية في التربية والثقافة والإدماج والتكوين في اللغات والثقافة المغربية، إلى جانب ضمان الولوج إلى الصحة والعلاج.

وعلى مستوى السكن، تشجع الاستراتيجية الحق في السكن في إطار الشروط القانونية، إلى جانب تقديم مساعدات اجتماعية وإنسانية تمكن المهاجرين من الاستفادة من برامج التضامن والتنمية الاجتماعية.

وفي تنفيذ هذه الاستراتيجية، أطلق المغرب عمليتين استثنائيتين سنة 2014 وسنة 2016 لإدماج المهاجرين المقيمين بشكل غير قانوني في المغرب، مكنتا من تسوية وضعية أكثر من 50 ألف أجنبي، معظمهم ينحدرون من دول إفريقيا جنوب الصحراء، بهدف تمكينهم من حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية وتسهيل إدماجهم في سوق الشغل.

ووفقا لذات الاستراتيجية، تستقبل الجامعات المغربية آلاف الطلبة من دول إفريقيا جنوب الصحراء، ويستفيد أغلبهم من المنح الدراسية التي تمنحها الحكومة المغربية.

ويتيح القانون المغربي أيضا إمكانية العودة الطوعية التي تنظمها المنظمات الدولية للمهاجرين الراغبين في العودة إلى بلدانهم الأصلية.

وفي ذات السياق، فككت السلطات المغربية مئات الشبكات التي تنشط في تهريب المهاجرين والاتجار الدولي بالبشر خلال السنوات الماضية، كما قامت البحرية المغربية بإنقاذ آلاف الأشخاص طيلة السنوات الماضية في عرض البحر.