في مشهد إقليمي معقد يتداخل فيه العسكري بالسياسي، يقدم الكاتب الصحفي جاد يتيم قراءة تحليلية لمسار التصعيد في الجنوب اللبناني خلال حديثه لسكاي نيوز عربية، كاشفا عن توازنات هشة واشتباك مفتوح على احتمالات متعددة.

وبين هدنة هشة، ومفاوضات مرتبطة بمسارات إقليمية، واستنزاف متواصل، تتبلور معادلة دقيقة تتجاوز البعد اللبناني الداخلي إلى ارتباطات أوسع مع القرار الإيراني، ما يضع الدولة اللبنانية أمام تحديات سيادية وأمنية متصاعدة.

هدنة هشة وتصعيد يومي

يرى يتيم أن المشهد الميداني منذ وقف إطلاق النار الأول، الذي تلا انطلاق المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، اتسم بمفاجأة طرفين أساسيين هما إسرائيل وحزب الله.

ويوضح أن الحزب فوجئ أيضا بالعودة السريعة للمدنيين، ما دفعه إلى الامتناع عن العودة إلى قواعد الاشتباك المعتمدة في نوفمبر 2024.

هذا التحول، بحسب يتيم، أسس لواقع تصعيدي يومي، انعكس مباشرة على عرقلة عودة السكان إلى مناطقهم. ويعتبر أن هذا التصعيد يخدم هدفين مترابطين:

الأول: منع عودة الأهالي،

الثاني: إبقاء الجبهة في حالة جهوزية تحسبا لانهيار المفاوضات الإيرانية الأميركية.

وفي هذا السياق، يشير إلى أن الحزب يسعى لتفادي كلفة تهجير السكان مجددا في حال توسّع المواجهة.

ويخلص إلى أن الواقع الحالي لا يمكن توصيفه كهدنة فعلية، بل كـ"هدنة غير موجودة"، لم يتبقّ منها سوى تحييد بيروت ومحيطها، ما يعكس هشاشة شديدة في الاستقرار الميداني.

لبنان.. سكان قرى الحدود يطلقون صلوات يومية لوقف الحرب

ارتباط القرار العسكري بالأجندة الإيرانية

يذهب يتيم إلى أن حزب الله لا يعمل وفق أولويات لبنانية، بل يخدم الأهداف الإيرانية بشكل مباشر. ويستند في ذلك إلى معطيات ميدانية، أبرزها ما كشفته التطورات عن وجود ضباط من الحرس الثوري الإيراني في لبنان يقودون العمليات العسكرية.

ويؤكد أن الحزب انتقل من مرحلة "حرب الإسناد" عام 2023 إلى واقع ميداني مختلف، حيث تغيرت الجغرافيا العملياتية في الجنوب. ويشير إلى تحول من سيناريو شبيه بالضفة الغربية إلى نموذج أقرب إلى غزة، مع وجود شريط واسع خاضع للنيران أو السيطرة الإسرائيلية.

أما على مستوى الأداء العسكري، فيلفت إلى أن العمليات الحالية يغلب عليها استخدام المسيرات الانتحارية، مع غياب واضح للصواريخ الثقيلة أو التصعيد العالي، رغم استمرار مستوى التدمير المرتفع.

ويرى أن هذه العمليات لا تحقق ردعا فعليا، بل تندرج ضمن محاولة "البقاء إعلاميا"، دون قدرة على تغيير المعادلات أو إعادة السكان.

غياب الأهداف السياسية وتعطيل المسار التفاوضي

يشدد يتيم على غياب أي سقف سياسي واضح أو أهداف محددة للمواجهة الحالية، معتبرا أن المسار التفاوضي اللبناني بات مرتبطا سلبا بالمفاوضات الإيرانية.

ويشير إلى أن حزب الله يعارض أي مسار تفاوضي لبناني منفصل، في ظل سعي طهران إلى استخدامه كورقة تفاوضية.

أخبار ذات صلة

لبنان.. غارات إسرائيلية تسفر عن قتيل وإصابة مسعفين
تقرير: خسائر جسيمة لحزب الله في معاركه الأخيرة مع إسرائيل

وفيما يتعلق بمنطق الاستنزاف، يذكر بأن التجربة التاريخية عام 2000 أظهرت أن استنزاف إسرائيل استغرق سنوات طويلة، في حين أن لبنان اليوم يعاني من انهيار اقتصادي منذ 2019، إلى جانب تآكل سياسي وأمني متراكم.

ويحذر من أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى إغلاق المسار التفاوضي بالكامل، ويزيد من احتمالات الانهيار الاقتصادي، في ظل تحذيرات متصاعدة من القطاعات المالية، ما يضع البلاد أمام مهلة زمنية ضيقة للاستمرار في ظل حالة "اللاحرب واللاسلم".

سيناريو المراوحة واستنزاف الدولة

يتناول يتيم احتمال الوصول إلى حالة "ستاتيكو" ميدانية، في حال استمرار التصعيد، حيث قد تلجأ إسرائيل إلى تكريس واقع احتلال جنوب الليطاني، مقابل عجز الدولة اللبنانية عن تنفيذ التزاماتها شماله.

ويصف هذا السيناريو بأنه استنزاف مباشر للدولة اللبنانية، عبر عمليات عسكرية تشمل تدمير القرى وتهجير السكان، ما يقوض أي مسار فعلي لوقف الاعتداءات أو تحقيق الانسحاب الإسرائيلي.

ويخلص إلى أن المستفيد الأكبر من هذا الواقع هو حزب الله، في ظل غياب قدرة الدولة على فرض معادلة مغايرة.

سكاي نيوز عربية ترصد المشهد بالسفوح الغربية لجبل الشيخ

إشكاليات الأمن والرقابة جنوب الليطاني

يطرح يتيم تساؤلات حول فعالية المنظومة الأمنية جنوب الليطاني، في ظل وجود الجيش اللبناني وقوات "اليونيفيل"، مشيرا إلى صعوبة إخفاء مخازن أسلحة في بيئة رقابية مكثفة.

ويرجح أن جزءا من الأسلحة المستخدمة حاليا قد تم نقله بسرعة من شمال الليطاني، وأن طبيعة الصواريخ المستخدمة لا تتطلب بنية تخزين معقّدة. كما يلفت إلى أن بعض العمليات قد نُفّذت دون علم القيادات السياسية في الحزب، ما يعكس خللاً في التنسيق الداخلي.

خيارات الدولة.. بين التدرّج وتفادي الصدام

يرى يتيم أن الخيار المتاح أمام الدولة اللبنانية لا يقتصر على المواجهة المباشرة، بل يشمل مسارا تدريجيا يعتمد على أدوات متعددة، من بينها الإجراءات الأمنية، والتشدد الاقتصادي، وتنفيذ قرارات حكومية بشكل متراكم.

ويشير إلى أن الرهان الأساسي يتمثل في نجاح المفاوضات، سواء اللبنانية الإسرائيلية أو الأميركية الإيرانية، خاصة في ظل توجه أميركي لإنهاء دور "الوكلاء" في المنطقة.

ويؤكد أن الحكومة اللبنانية تبدي جدية، لكنها تواجه بنية "دولة عميقة" ممتدة منذ عقود، ما يتطلب وقتا وإجراءات متدرجة لترسيخ سلطتها.

أخبار ذات صلة

قتلى بغارات إسرائيلية على جنوب لبنان.. وتحذير بإخلاء 9 قرى
تصعيد رغم الهدنة.. و12 قتيلا بغارات إسرائيلية على لبنان

معادلة "الأرض مقابل السلاح"

يطرح يتيم مقاربة تقوم على ربط استعادة الأراضي بتسليم السلاح، ضمن إطار تفاوضي شامل يتضمن الانسحاب الإسرائيلي، وعودة السكان، وإعادة الإعمار وفق جدول زمني واضح.

ويعتبر أن هذه المعادلة تمكّن الدولة من استعادة المبادرة، وتحدّ من قدرة حزب الله على استخدام سلاحه كورقة ضغط داخلية.

كما يلفت إلى أهمية كسب البيئة المحلية، خصوصا في الجنوب، التي تكبّدت خسائر بشرية ومادية كبيرة، وتبحث عن استقرار فعلي يتيح لها العودة إلى حياتها الطبيعية.