تعيش بيروت واحدة من أثقل لحظاتها، حيث بدأت، منذ ظهر الخميس، ملامح نزوح كثيف بالظهور في عدد من أحيائها، خصوصا عند مداخلها الجنوبية وعلى طريق مطار رفيق الحريري الدولي، عقب إنذارات تهديدية أطلقها الجيش الإسرائيلي لامست العاصمة بشوارعها الرئيسية.

هذا النزوح، الذي تسارع مع ساعات النهار، عكس حالة الذعر التي خيمت على السكان، في امتداد مباشر لـ"الأربعاء الأسود" الذي عاشته العاصمة، حيث أمضى اللبنانيون ليلة مثقلة بالخوف تحت هدير الطائرات المسيرة التي لم تغادر سماء المدينة.

وشهدت بيروت يوم الأربعاء، غارات عنيفة وغير مسبوقة منذ سنوات، نقلت التصعيد من الأطراف إلى قلب العاصمة، وأعادت إلى أذهان كثير من اللبنانيين مشاهد من اجتياح عام 1982، حين لم تعد المدينة خارج دائرة النار.

سماء العاصمة كانت، ولا تزال، تحت المراقبة، وأصوات الغارات المتتالية بدلت إيقاع الحياة في لحظات، فيما سيطرت حالة من الذهول على الشوارع، حيث اختلطت حركة السير بالفوضى، وبدت بيروت مدينة تحاول استيعاب صدمة لم تكن تتوقعها بهذا الشكل.

أخبار ذات صلة

غارات إسرائيلية جديدة على لبنان.. وارتفاع حصيلة القتلى
لبنان.. قرار بحصر السلاح في بيروت "بالقوى الشرعية وحدها"

شهادات من قلب الشارع

وقالت سهام، وهي أم لثلاثة أطفال، لموقع "سكاي نيوز عربية": "المباني اهتزت من حولنا، أولادي كانوا خارج المنزل، ولم أعد أميز أين تقع الغارات من شدة الأصوات".

وفي كورنيش المزرعة، يروي أحد السكان: "رأينا الدخان يتصاعد من أحد المباني قرب محمصة الرفاعي، وهناك حالة هلع غير مسبوقة عشنا لحظات نأمل ألا تتكرر".

أما أحمد، سائق أجرة في المصيطبة، فيصف المشهد قائلا: "الطرقات كانت مكتظة، وفجأة عم الذعر، الناس تركت سياراتها وركضت تبحث عن أي مكان آمن".

وقالت رنا، طالبة من عين المريسة: "سمعنا أكثر من غارة متتالية، كل شيء كان يهتز".

مأساة تتكرر… وذاكرة لا تهدأ

وسط هذا المشهد، عادت قصص الفقد لتفتح جراحا قديمة. تقول سارة الشيخ علي: "بانفجار مرفأ بيروت سنة 2020، في أم طلعت عالإعلام تقول: "ابني حلو ومنيح وعيونه عسلية، حدا شافه شي؟". هيدي إم حمد العطار، العامل بالمرفأ اللي استشهد وقتها. اليوم إسرائيل قتلت علا العطار، زوجة حمد. وصاروا البنتين يتيمات أب وأم. هالبلد فاجعة مفتوحة".

هذه الشهادة لم تكن حالة فردية، بل اختصرت شعورا عاما بأن اللبنانيين يعيشون سلسلة مآس متواصلة، وأن كل حدث جديد يعيد إحياء ذاكرة جماعية مثقلة بالخسارات.

وضع إنساني ضاغط

مع اتساع رقعة الغارات، سُجلت حالات نزوح من بعض الأحياء، فيما شهدت المستشفيات اكتظاظا ملحوظا.

في الشوارع، بدت صورة القلق واضحة: عائلات تغادر على عجل، وأخرى تترقب، وأصوات القلق ترتفع من سؤال واحد يتكرر: ماذا بعد؟

الخوف لم يعد مرتبطا بلحظة الغارة فقط، بل بما قد تحمله الساعات والأيام المقبلة، خصوصا في ظل حديث متزايد عن احتمال تصعيد أوسع.

قراءة في التصعيد

يرى المحلل السياسي بشار خير الله، لموقع “سكاي نيوز عربية”، أن "التطورات الأخيرة تشير إلى مرحلة تصعيد قد تكون أكثر حدة في لبنان"، معتبرا أنه "في حال تراجعت وتيرة المواجهة مع إيران، قد تتجه إسرائيل إلى تركيز عملياتها بشكل أكبر على الساحة اللبنانية".

وأضاف أن "مبدأ فصل الساحات لم يعد قائما كما كان يروج له”، وأن "لبنان بات يدفع ثمن الانخراط في الصراعات الإقليمية، مع تصاعد حدة المواجهة على أراضيه".

من جهته، قال النائب السابق في البرلمان اللبناني مصطفى علوش، لموقع "سكاي نيوز عربية": "من الواضح أن إيران أرادت أن تأخذ نفسا من خلال الهدنة، لكنني لا أتوقع أن تمر المرحلة القادمة بسهولة، لأن الأطراف كلها وضعت في موقع غير قابل للتسويات. لكن إيران، على الأقل خلال الأيام القادمة، ستعض على جرح حزب الله، كما أن الحزب يعلم دوره ولن يحرج إيران. لكن إسرائيل لن توفر الفرصة، وستستمر في تعميق الجرح في لبنان، كبديل عن مواجهة إيران أو ربما لاستدراجها من جديد إلى المعركة، أو على الأقل لإظهارها بأنها خانت شيعة لبنان".

وزاد: "من هنا، فإن تصريحات الرئيس الأميركي (دونالد ترامب) تؤكد على أن لبنان دخل في مرحلة دامية جديدة لتغيير ترتيبات المنطقة، ولا يمكن في هذه اللحظة معرفة المسار وإلى أين سيصل”.

أخبار ذات صلة

إسرائيل تعلن القضاء على السكرتير الشخصي لنعيم قاسم