في مشهد يكشف هشاشة الاتفاقات في ظل غياب الثقة وتضارب الأجندات، قدم المتحدث السابق باسم الخارجية الأميركية آلان إير، في حديثه لقناة "سكاي نيوز عربية"، قراءة تحليلية دقيقة لمآلات الهدنة المُعلنة، كاشفا عن اختلالات جوهرية تنذر بانهيارها قبل أن تترسّخ، ومسلّطاً الضوء على أزمة ثقة عميقة تَعصف بأي مسار تفاوضي بين واشنطن وطهران.

لم تمر 24 ساعة على الإعلان عن الهدنة حتى تكشف زيف الالتزام بها. يفيد إير بصراحة لافتة بأن الولايات المتحدة كانت الطرف الوحيد الذي أَوفى بالهدنة، في حين شهد المشهد الميداني تحركات أربكت المعادلة برمتها؛ إذ شنت إسرائيل هجمات على لبنان، فيما نفذت إيران ضربات استهدفت الإمارات ومنطقة الخليج وأهدافا في محيط مضيق هرمز. ويطرح إير تساؤلا جوهريا حول طبيعة هذا الاتفاق ومضمونه: مَن اتفق مع من، وعلى ماذا تحديدا؟.

إسرائيل تنفذ غارات على لبنان هي الأعنف منذ هجمات البيجر

غموض النص وتضارب التفسيرات.. لبنان نموذجا

يتوقف إير أمام إشكالية التفسير المتضارب لنطاق الهدنة، مستشهدا بملف لبنان دليلا صارخا على هذا الارتباك؛ فبينما أكدت باكستان أن الهدنة تشمل لبنان، ذهب أطراف آخرون إلى عكس ذلك تماما.

ويرى إير أن هذا التناقض الصريح يعكس غيابا مقلقا للوضوح في صياغة الاتفاق، مضيفا أن المفاوضات الفعلية لم تنطلق بعد، وأن أيا من الأطراف المعنية لم يجاهر حتى الآن بما يجري التفاوض عليه أو بطبيعة الملفات المطروحة.

ويلمح إلى أن يوم الجمعة سيكون محكا فارقا، لا سيما في ضوء ما ستُسفر عنه مشاورات باكستان.

الأمن الإقليمي بعد الحرب.. هرمز في الصدارة

هرمز وأمن الخليج.. ملف شائك في صلب التفاوض

يشير إير إلى أن الولايات المتحدة تولي اهتماما بالغا لملف حركة الملاحة في مضيق هرمز ضمن أي مسار تفاوضي، وهو ما يستدعي بالضرورة مشاركة دول الخليج.

ويعرب عن قناعته الراسخة بأن لدول الخليج الحق الكامل في أن تكون طرفا فاعلا في هذه المفاوضات، منبها إلى أن إيران لوحت بأن مسألة أمن المنطقة قابلة للتأثر وفق مسارات التفاوض.

وفي السياق ذاته، يؤكد أن الهجمات الإيرانية على دول الخليج كانت عملا غير مبرر ومخالفا للقانون الدولي، وأن من حق هذه الدول في كل الأحوال صون مصالحها وحماية أمنها وتجنيب شعوبها أي اضطراب يمس استقرارها.

أزمة الثقة.. العقبة الكبرى أمام أي تسوية

يصل إير في تحليله إلى جوهر الأزمة، مقرا بحقيقة يراها ثابتة: في أوقات الحرب، تكذب الحكومات جميعا، وهو ما يفضي حتما إلى تآكل الثقة بين الأطراف المتفاوضة.

ويرى أن أي مفاوضات جادة بين واشنطن وطهران مشروطة بضمان التزام كل منهما بما يقره، لافتا إلى أن الطرف لن يلتزم بالاتفاق إلا إذا كان هذا الاتفاق يُحقق مصالحه الفعلية.

هل يصمد وقف إطلاق النار بين أميركا وإيران؟

ويختتم إير تحليله بموقف صريح، إذ يستبعد أن تبلغ العلاقة بين واشنطن وطهران أي مصالحة حقيقية، حتى لو جاءت هذه المصالحة في مرحلة تالية للحرب، مؤكدا أن جوهر الخلاف بينهما "أعمق من ذلك وأكبر من ذلك". 

في سياق متصل، يكشف أن إسرائيل كانت تسعى إلى "إفشال الحكومة الإيرانية وتحويل إيران إلى دولة فاشلة"، وهو بعد استراتيجي لا يمكن إغفاله عند قراءة المشهد ككل.

ويشدد إير في ختام تحليله على أن دول الخليج مطالبة بأن "ترعى مصالحها" في هذه المعادلة، وألا تظل متفرجة على مفاوضات تعقد من دونها، في وقت تمس هذه المفاوضات أمنها بشكل مباشر.