تدخل ليبيا مرحلة دقيقة من تاريخ أزمتها الممتدة، حيث بلغ الانقسام السياسي والمؤسساتي مستويات غير مسبوقة من التشابك، في وقت تتسارع فيه التحركات الدولية والمحلية بحثًا عن اختراق حقيقي في جدار الجمود، فبين مسارات تفاوضية متوازية وضغوط متقاطعة، تتشكل ملامح لحظة سياسية فارقة، تفتح باب التساؤل حول ما إذا كانت البلاد تقف على أعتاب تسوية شاملة، أم أمام إعادة إنتاج للأزمة بأدوات جديدة.

في قلب المشهد، يبرز مساران رئيسيان يتحركان بالتوازي، الأول تقوده بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عبر "الحوار المُهيكل"، كآلية تدريجية لتجميع التوافقات وبناء أرضية سياسية مشتركة، فيما يتمثل الثاني في مقترح أميركي يسعى إلى إعادة تشكيل السلطة التنفيذية ضمن رؤية أشمل لإعادة ضبط التوازنات.

وكشفت مصادر من المجلس الأعلى للدولة لـ"سكاي نيوز عربية"، أن رئيسه عرض خلال جلسة رسمية مقترحًا قدمه مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس، يقوم على إعادة تشكيل المجلس الرئاسي، ضمن تصور متكامل يعالج المسارات السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية، في محاولة لإعادة هندسة بنية السلطة الحالية بما يتماشى مع متغيرات المرحلة.

في المقابل، تواصل البعثة الأممية الدفع بمسارها القائم على التدرج، حيث استؤنفت في طرابلس جلسات الحوار المباشر، بالتوازي مع إطلاق المسار الاقتصادي، الذي يتناول ملفات شديدة الحساسية، أبرزها توحيد سعر الصرف، ووضع آلية رقابية لإيرادات النفط، ومعالجة أزمة الميزانيات المتوازية، وهي قضايا تمثل عصب الانقسام المؤسسي وأحد مفاتيح الحل.

نافذة ضيقة.. وفرص مشروطة

أمام هذا المشهد، تبدو طرابلس واقفة عند مفترق طرق حقيقي؛ حيث تتقاطع فرص التسوية مع تعقيدات الواقع الميداني والسياسي، فالمسار الأممي يقترب من مخرجاته، والمبادرات الدولية تتكاثر، فيما تشهد الساحة الداخلية حراكًا لإعادة ترتيب الأوراق.

ومع ذلك، تبقى هذه الفرص رهينة بمدى قدرة الفاعلين على تحويل التفاهمات النظرية إلى ترتيبات عملية قابلة للتنفيذ، في ظل تاريخ طويل من تعثر المبادرات وتضارب المصالح.

أخبار ذات صلة

بـ"عملية دقيقة".. الجيش الليبي يحرر جنوده بعد "هجوم التوم"
نقل رئيس الحكومة الليبية إلى إيطاليا للعلاج

 سلطتان.. وانقسام مستمر

على الأرض، لا يزال الانقسام حاضرًا بثقله، مع وجود سلطتين تنفيذيتين؛ الأولى في الشرق برئاسة أسامة حماد والمدعومة من مجلس النواب الليبي والقيادة العامة، والثانية في الغرب برئاسة عبد الحميد الدبيبة والمعترف بها دوليًا.

وفي محاولة لكسر حالة الجمود، أجرى الدبيبة تعديلًا وزاريًا ضم شخصيات من الشرق والجنوب، في خطوة تحمل رسائل سياسية تتعلق بتوسيع قاعدة التمثيل وامتصاص حدة الاستقطاب، غير أنه لا يزال يتمسك بالبقاء في منصبه إلى حين إجراء انتخابات شاملة، وهو ما يمثل نقطة خلاف جوهرية مع خصومه.

المنفي.. بين التصعيد وبناء التوازنات

بالتوازي، يواصل محمد المنفي تحركاته السياسية والدبلوماسية، عبر شبكة من اللقاءات والاتصالات مع عواصم القرار، في مسعى لبناء مظلة توافق دولي أوسع تدعم مسار إنهاء الانقسام.

وفي خطاب يعكس حدة الأزمة السياسية، قال المنفي عبر منصة "إكس" إن ليبيا تقف اليوم بين مشروعين: "الدولة أو الصفقة؛ الانتخابات أو التمديد؛ سيادة الموارد أو الوصاية الأجنبية؛ حفظ الاستثمارات والأموال المجمدة أو ضياعها؛ الإفصاح والشفافية أو خداع الشعب بمسكنات شكلية".

وأضاف أن البلاد تواجه أيضًا خيارًا بين "إيقاف النهب غير المسبوق أو تأطيره إلى الأبد وتطويره؛ وسد الثقب الأسود أو توسعه ليبتلع مستقبل الأجيال ويستعبدهم؛ والقانون الوطني والدولي أو شريعة الغاب واستنساخ منهج غير أخلاقي؛ والقيم والثوابت الليبية الراسخة أو التطبيع والتوطين مقابل البقاء".

وشدد المنفي على عزمه إحداث تغيير، مؤكدًا أنه اختار "الإرادة الشعبية، والتاريخ والتغيير".

الحوار المهيكل.. فرصة أم اختبار؟

في المقابل، ترى عضو الحوار المهيكل حواء زايد علي أن البلاد لا تزال تمتلك فرصة حقيقية لتحقيق وئام وطني، رغم عمق الانقسام، موضحة في تصريحات لـ"سكاي نيوز عربية"، أنها لمست، من خلال مشاركتها في جلسات الحوار، "وجود رغبة حقيقية لدى الأطراف المختلفة في التقارب والبحث عن نقاط مشتركة".

وأضافت أن "الحوار المهيكل لا يقتصر على كونه منصة للنقاش، بل يمثل فرصة عملية لبناء أرضية تفاهم تنطلق من أولويات الليبيين أنفسهم، بعيدًا عن التجاذبات التقليدية"، مؤكدة أن "التعاطي الجاد مع مخرجاته يمكن أن يسهم في تقليص فجوة الانقسام ويمهد لتوحيد المؤسسات".

وفيما يتعلق بالمبادرات الدولية، شددت على أن نجاحها "يظل مرتبطًا بمدى احترامها للإرادة الليبية وابتعادها عن فرض حلول خارجية"، مشيرة إلى أن "إنهاء الانقسام يظل ممكنًا حتى على المدى القريب، إذا ما توفرت إرادة وطنية حقيقية وتنسيق فعّال بين مختلف الجهود، بما يضع مصلحة ليبيا فوق كل اعتبار".

أخبار ذات صلة

الدبيبة عن مقتل سيف الإسلام: العنف لن يبني دولة في ليبيا
المنفي يعلق على اغتيال سيف الإسلام: ليبيا لا تدار بالعنف

 تعويل على الحوار المهيكل

واعتبر المحلل السياسي والمستشار الاستراتيجي الإيطالي دانييلي روفينيتي أن الحوار المُهيكل الذي تقوده الأمم المتحدة، يوفر إطارًا متماسكًا وضروريًا؛ إذ يهدف إلى تحديد خارطة طريق واضحة نحو توحيد المؤسسات، ودعم مرحلة انتقالية، وفي نهاية المطاف تهيئة الظروف اللازمة لإجراء الانتخابات.

ولفت روفينيتي في تصريحات لسكاي نيوز عربية، إلى أن الحوار المُهيكل يركز على ترتيبات الحوكمة، وتوحيد القطاع الأمني، والإصلاحات الاقتصادية، يعكس فهمًا شاملًا للتحديات الهيكلية التي تواجه ليبيا.

وأضاف أنه "مع ذلك، فإن جدوى هذه العملية تعتمد في نهاية المطاف على عامل حاسم واحد: مدى الانخراط الحقيقي والعملي من جانب الفاعلين الليبيين أنفسهم، فالحوار يمكنه أن يوفر منصة، ويُيسّر بناء التوافق، ويضع مسارات فنية سليمة، لكنه لا يمكن أن يكون بديلًا عن الإرادة السياسية".

وشدد على أن الالتزامات بالإصلاحات، خاصة في مجالي الحوكمة والأمن، يجب أن تتحول إلى خطوات تنفيذية، إذ أنه "من دون استعداد ملموس لتقديم التنازلات وتجاوز منطق المكسب الصفري، فإن حتى أفضل خارطة طريق مُحكمة قد تبقى مجرد طموح نظري".

وأشار إلى أنه "ينبغي النظر إلى إطار الأمم المتحدة باعتباره آلية تمكينية ضرورية، لكنه ليس شرطًا كافيًا بحد ذاته. فنجاحه سيتوقف على ما إذا كان أصحاب المصلحة الليبيون سينخرطون فيه ليس فقط بشكل شكلي، بل بنية عملية تهدف إلى استقرار البلاد وإعادة بناء مؤسسات موحدة".

وأوضح روفينيتي أن الولايات المتحدة تدفع أيضًا نحو اعتماد ميزانية موحَّدة، والتوصل إلى اتفاق بين شرق البلاد وغربها.

توازنات الخارج.. مفتاح الداخل

من جانبه، يربط المحلل السياسي السنوسي إسماعيل استقرار ليبيا بطبيعة التوازنات الإقليمية والدولية، معتبرًا أن أي تسوية داخلية تعكس بالضرورة تقاطع مصالح خارجية.

وقال السنوسي لموقع "سكاي نيوز عربية"، إن "ليبيا دولة ذات موقع جغرافي يجعل الاستقرار فيها نتاج التوازنات الإقليمية وتقاطع مصالح الدول التي تمتلك وسائل التأثير السياسي والاقتصادي تبعاً لمصالحها المشتركة مع الليبيين، وهذه عوامل يمكن استقرارها منذ تاريخ استقلال ليبيا عام 1951، وهي عوامل مؤثرة على استقرار الدولة الليبية وإمكانية استمرار النظام السياسي القائم فيها".

وأضاف أن المبعوثة الأممية "أطلقت مبادرة خريطة الطريق التي نشهد هذه الأيام اقترابها من الوصول إلى المخرجات النهائية للحوار المهيكل، الذي انطلق منذ أربعة أشهر، وهو يشارف على الاكتمال ليضع مقترحات توافقية على طاولة أطراف الاتفاق السياسي الليبي، البرلمان ومجلس الدولة والقوى السياسية الداعمة لهما".

ورجح أن "تنجح خريطة الطريق لبعثة الأمم المتحدة، مشفوعة بجهود رئاسة البرلمان الليبي وكتلة التوافق داخل مجلس الدولة، في تسهيل إنجاز وتقدم في مسار الانتخابات الرئاسية والتشريعية بعد ظهور مخرجات الحوار المهيكل".

إعادة هندسة المشهد

بدوره، يرى الخبير السياسي أنور ياسين أن تحركات المجلس الرئاسي تمثل محاولة لإعادة صياغة التوازنات، وليس مجرد نشاط دبلوماسي تقليدي، لافتًا في تصريحات لـ"سكاي نيوز عربية"، أن هذه التحركات تعكس "إعادة هندسة المواقف"، حيث يسعى المنفي إلى "تفكيك الجمود الدولي وبناء كتلة دعم متماسكة لتوحيد المؤسسات تحت مظلة شرعية واحدة".

وأضاف أن المنفي يعتمد "دبلوماسية الاختراق المتدرج"، محاولًا تحويل تداخل الإرادات الدولية من عامل ضغط إلى أداة توظيف تخدم الداخل الليبي.

وشدد ياسين على أن "هذا المسار لا يسعى لحلول صادمة، بل يهدف لنقل الصراع من نزاع على السلطة إلى إعادة بناء الشرعية"، من خلال جعل توحيد المؤسسات السيادية شرطًا يسبق أي استحقاق انتخابي، لضمان مصداقيته واستدامته.