لم تتمكن أم علي هذا العام من زيارة قبر والدتها في شبعا جنوبي لبنان، فهي تقيم منذ أشهر خارج البلدة الحدودية وتتابع أخبارها بقلق، وتحمل خوفا على من بقي هناك، وخشية من أن تُفقد هذه الأرض.

تقول أم علي لـ"سكاي نيوز عربية": "هذا العام شعرت أن شيئا انكسر. حتى موتانا لم نعد قادرين على الوصول إليهم. نعيش قلق الفقد مرتين: فقد الأحبّة، وفقد القدرة على الحفاظ على صلة الأرض".

في حرب 2024 بين إسرائيل وحزب الله اللبناني، تعرضت شبعا لتدمير عدد كبير من منازلها "من دون ذنب"، بعد أن دخلها مسلحون من خارجها، واتُّخذت بعض أحيائها ساحة للقتال، مما دفع الأهالي إلى دفع أثمان باهظة من أمنهم واستقرارهم.

تلك التجربة القاسية شكلت وعيا جديدا لدى أبناء البلدة، الذين باتوا أكثر تمسكا بالبقاء، وأكثر رفضا لأن تتحول أرضهم مجددا إلى منصة للصراعات.

لكن ميدانيا، تتعرض شبعا لقصف مدفعي إسرائيلي بانتظام، وتشهد نوعا من حظر التجول، فقبل أسبوع استهدف راعيان بسبب تخطيهما حدود منزلهما.

ومؤخرا انسحبت دبابات الجيش اللبناني التي كانت تتمركز عند نقطة بوابة مزارع شبعا (بيادر شبعا) على حدود الخط الأزرق بسبب شدة القصف الإسرائيلي، وتحركت إلى داخل البلدة حيث تمركزت في المركز الصحي، بعد مناشدات عديدة من الأهالي لبقائها هناك.

وتقع شبعا في قضاء حاصبيا ضمن منطقة العرقوب الحدودية، على ارتفاع يقارب 1800 متر عن سطح البحر، وتقدر مساحتها بنحو 60 كيلومترا مربعا، وتجاور كفر شوبا وكفر حمام والهبارية، ويجعلها هذا الموقع في قلب التوترات، لكنه في الوقت نفسه يرسخ لدى أهلها شعور الانتماء.

"نفتقر لمواد التدفئة"

ويقول رئيس بلدية شبعا آدم فرحات لموقع "سكاي نيوز عربية"، إن "الخط الوحيد المفتوح إلى البلدة يمر عبر البقاع حتى اللحظة، مما يعكس حجم العزلة".

ويؤكد فرحات أن "الوضع حذر مع تعرض أطراف البلدة أحيانا لعمليات تمشيط"، مشددا على أن "التحدي الأكبر يبقى معيشيا في ظل ارتفاع أسعار المحروقات والحاجة الماسة إلى مادة المازوت للتدفئة خلال أشهر البرد القاسية".

كما يشير مختار البلدة عفيف صعب إلى أن نحو 800 عائلة ما زالت تقيم في شبعا، رغم توقف الأعمال وشبه غياب الحركة الاقتصادية، مما يزيد من الضغوط المعيشية عليهم.

ويؤكد صعب أن "الناس تعتمد على المؤن، لكن الحاجة الأكبر تبقى للتدفئة"، في وقت يستمر به انقطاع الاتصالات الأرضية، مقابل بقاء الإنترنت متاحا بشكل محدود.

ويقول المختار محمد الخطيب لـ"سكاي نيوز عربية": "تعيش بلدة شبعا واقعا دقيقا على المستويين المعيشي والأمني، في ظل إدارة الخدمات الأساسية بإمكانات محدودة جدا، وجهود محلية تسعى إلى سد الفراغ".

ويضيف الخطيب: "تمسكت فئة من الأهالي، لا سيما المزارعين وأصحاب الحقوق، بالبقاء في أرضها، تأكيدا على خيار الصمود ورفض التفريط بها".

أخبار ذات صلة

إسرائيل تكثف غاراتها على ضاحية بيروت الجنوبية
سموتريتش يدعو لضم جنوب لبنان لحدود إسرائيل

بقاء حتى الموت

ورغم الظروف، يصر السكان على البقاء في البلدة، ويرفضون أي وجود مسلح، مؤكدين أن لا علاقة لهم بأي صراعات، وأن انتماءهم الوحيد للدولة اللبنانية.

ويقول أبو محمد عمر صاحب الـ80 عاما لـ"سكاي نيوز عربية": "لن نغادر شبعا كما طلب منا في حروب سابقة. هذه أرضنا ولن نتركها".

كما تؤكد الحاجة عطارد فرحات، أن "المطلب الأساسي هو بقاء الجيش اللبناني إلى جانب الأهالي. بوجوده نشعر بالأمان، ونحن نحرس حدود لبنان معه حتى آخر لحظة".

أما أبو عمر، فيشير إلى أن "العمل يتركز على تأمين المؤن المنزلية. لن نغادر البلدة ونتركها للغرباء. نحن أبناء هذه الأرض. نحتاج إلى المحروقات عبر البقاع، فالثلوج تغطي الجبال ولا يمكننا تأمين الحطب بسبب خطورة التنقل".

في السياق ذاته، يكشف مصدر تربوي مقيم في شبعا لـ"سكاي نيوز عربية"، أن العملية التعليمية مستمرة بأقل الإمكانات.

ضرب الجسور.. تكتيك إسرائيلي لقطع الإمدادات

ويضيف المصدر أن "عدد الطلاب يبلغ 370 في الدوام الصباحي، و180 طالبا سوريا مساء"، مشيرا إلى أن التعليم يتم حاليا عن بُعد، رغم التحديات الكبيرة من نقص الأجهزة وضعف الإنترنت، ووجود أكثر من طالب في المنزل الواحد يستخدمون هاتفا واحدا.

وطالب بتوزيع أجهزة لوحية (تابلت) على الطلاب، وتأمين أجهزة للمعلمين، لضمان استمرارية العملية التعليمية، معتبرا أن "التعليم هو خط الدفاع الأخير لبقاء المجتمع".

وعلى الصعيد الصحي، يبرز دور المجتمع المحلي في سد الفراغ الذي تفشل السلطات المحلية في سده.

وأوضح رئيس جمعية "تمدن" الاجتماعية زياد ضاهر، لـ"سكاي نيوز عربية"، أن جمعيته تقدم خدمات طبية عبر مركز رفيق الحريري للرعاية الأولية في شبعا، إضافة إلى عيادة جوالة تزور قرى القضاء من راشيا الفخار إلى الهبارية وكوكبا، فضلا عن مركزي إيواء في أبو قمحة ومدرسة الكفير، وذلك بشكل يومي و"قدر المستطاع"، برعاية وزارة الصحة اللبنانية.

لكن ضاهر يشير إلى تحديات جدية، أبرزها نقص الأدوية وصعوبة تأمين أطباء اختصاصيين، خصوصا في ظل الظروف الأمنية والاقتصادية.

أما زراعيا، فيكشف ضاهر أن "المنطقة، التي تعتمد أساسا على الزراعة، تضررت بشدة مؤخرا، إذ لم يتمكن الأهالي من الوصول إلى أراضيهم خصوصا في أطراف البلدة، مما أدى إلى تراجع الإنتاج بشكل ملحوظ".