لم يكن ظهور القائم بالأعمال الإيراني في السودان محمد حسن خيري، في إفطار نظمته "حركة العدل والمساواة" ببورتسودان في 13 مارس الجاري احتفالا بمناسبة دينية، بل كان إعلانا صريحا عن تموضع سياسي خرجت فيه علاقة طهران بحلفائها داخل السلطة السودانية إلى العلن لأول مرة بهذا الوضوح.
الإفطار الذي أقامه وزير المالية في سلطة بورتسودان رئيس الحركة جبريل إبراهيم، حضره ممثلون عن قمة الهرم العسكري والأمني والسياسي، من بينهم الفريق شمس الدين كباشي ممثلا لقائد الجيش عبد الفتاح البرهان، إلى جانب مسؤولين من وزارة الخارجية وجهاز الاستخبارات، في مشهد يعكس اصطفافا سياسيا وأمنيا تتداخل فيه الدولة مع شبكات الإسلام السياسي.
ولم يكن الحدث إفطارا بقدر ما كان لحظة كاشفة، فظهور دبلوماسي إيراني رفيع داخل فعالية تنظمها حركة مسلحة يقودها رجل يخضع لعقوبات أميركية، يرسخ واقعا جديدا مفاده أن النفوذ الإيراني لم يعد يدار خلف الكواليس، بل بات يعرض علنا داخل الفضاء السياسي السوداني.
واشنطن كانت قد فرضت عقوبات على إبراهيم في سبتمبر 2025، مشيرة إلى دوره في حرب السودان وتقويض الاستقرار، وربطت ذلك بشكل مباشر بعلاقاته مع إيران، وبالتالي فإن حضور طهران في هذه المناسبة لا يمكن قراءته خارج هذا السياق، بل كترجمة ميدانية لما سبق أن حذرت منه تلك العقوبات.
تقاطع السلاح والأيديولوجيا
في قلب هذا المشهد يقف إبراهيم، ليس كمسؤول داخل السلطة فحسب، بل كحلقة وصل بين العمل المسلح والامتداد الأيديولوجي والانفتاح على إيران.
فالرجل يقود حركة مسلحة ذات سجل قتالي ممتد، شاركت سابقا في النزاعات الإقليمية، بما في ذلك القتال إلى جانب جماعات إسلامية في ليبيا قبل أن تعود وتتموضع داخل الحرب السودانية إلى جانب الجيش.
ويكشف هذا المسار عن بنية سياسية عسكرية عابرة للحدود، تتقاطع مع شبكات الإسلام السياسي في المنطقة، كما أن ارتباطه بالحركة الإسلامية السودانية، التي رسخت نفوذها داخل مؤسسات الدولة خلال عقود حكمها، يجعله جزءا من شبكة أعمق لم تتفكك بعد 2019، بل أعادت إنتاج نفسها داخل المؤسسة العسكرية مع اندلاع الحرب.
في هذا السياق، لا يبدو انفتاحه على إيران خيارا طارئا، بل امتدادا طبيعيا لتقاطعات أيديولوجية وسياسية تتجاوز حدود السودان.
تحالف قديم
تمتد العلاقة بين السودان وإيران إلى مرحلة ما بعد انقلاب 1989، حين فتح النظام الذي قاده الإسلاميون أبواب البلاد أمام طهران، لتتحول الخرطوم إلى ممر لوجستي ومحطة عبور استراتيجية على البحر الأحمر، مقابل دعم عسكري وأمني عزز قدرات ذلك النظام في تثبيت حكمه.
خلال تلك الفترة، شملت العلاقة، إلى جانب التعاون العسكري، استخدام الأراضي السودانية كممر لتهريب أسلحة إيرانية باتجاه قطاع غزة، عبر شبكات لوجستية معقدة، وهو ما وضع السودان حينها في قلب منظومة الإمداد الإقليمي المرتبطة بطهران.
كما شمل التعاون بناء شبكات نفوذ داخل مؤسسات الدولة، خاصة في الأجهزة الأمنية والعسكرية، مما رسخ حضورا إيرانيا غير مباشر استمر حتى بعد تراجع العلاقات رسميا.
عام 2016، أعلن السودان قطع علاقاته مع إيران وإغلاق مراكزها الثقافية، في محاولة لإعادة التموضع إقليميا والانفتاح على دول الخليج، غير أن هذا الانفصال ظل سطحيا أكثر منه جذريا، إذ بقيت البنية التي تأسست خلال عقود قائمة داخل مفاصل الدولة.
واليوم، تعيد الحرب في السودان إحياء هذا التحالف، لكن في سياق أكثر خطورة، فبدلا من علاقة دولة بدولة، يظهر التقارب الحالي عبر قنوات عسكرية وشبكات أيديولوجية متجذرة، مستفيدة من الانهيار المؤسسي والحاجة الملحة للدعم الخارجي.
وبهذا المعنى، لا تمثل عودة العلاقة مع إيران تحولا مفاجئا، بل استعادة لمسار قديم، وجد في الحرب فرصة للعودة، لكن هذه المرة بشروط أكثر انكشافا وتأثيرا.
المسيّرات ترسم ميزان القوة
المؤشر الأوضح على هذا التقارب كان دخول الطائرات المسيّرة الإيرانية إلى ساحة القتال، إذ تحدثت تقارير فريق خبراء الأمم المتحدة عن استخدام أنظمة مثل "مهاجر 6"، و"أبابيل 3"، وصلت عبر ميناء بورتسودان مع دعم تقني وتدريب مباشر، مما منح الجيش تفوقا ميدانيا مرتبطا مباشرة بالدعم الإيراني، بواسطة الحرس الثوري تحديدا.
هذا التطور لم يكن تقنيا فقط، بل استراتيجيا أيضا، فإيران، وفق تحليلات مراكز أبحاث دولية، تعتمد على بناء شبكات نفوذ مرنة عبر نقاط لوجستية على طول الممرات البحرية، بدلا من قواعد عسكرية تقليدية.
وفي هذا الإطار يوفر السودان بيئة مثالية: دولة منهكة وحرب مفتوحة وساحل طويل على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
اصطفاف أيديولوجي
لكن ما يثير القلق ليس فقط الدعم العسكري، بل الخطاب المصاحب له، فقد ظهرت في الأيام الأخيرة تصريحات لقيادات إسلامية تقاتل ضمن صفوف الجيش، عبّرت عن دعم صريح لإيران في صراعاتها الإقليمية.
ويرى الخبير الأمني السوداني العميد أحمد عوض، أن "ما يحدث في بورتسودان يتجاوز التعاون العسكري إلى إعادة الاصطفاف الأيديولوجي الخطير، الذي يربط شبكات الإسلام السياسي في السودان والمشروع الإيراني في المنطقة، وهو تقاطع يحمل تداعيات تتجاوز السودان إلى كامل البحر الأحمر".
وأصبحت بورتسودان، العاصمة المؤقتة أثناء الحرب، منصة نفوذ إيراني خطيرة على ساحل البحر الأحمر، فالمدينة التي تحولت إلى مركز للسلطة باتت اليوم نقطة ارتكاز لتقاطع إقليمي، يجمع بين دعم عسكري خارجي، وشبكات داخلية ذات خلفية أيديولوجية، مما يفتح الباب أمام إعادة رسم خرائط النفوذ في أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
ويقول عوض لـ"سكاي نيوز عربية"، إنه "مع تصاعد الحضور الإيراني، تتحول بورتسودان تدريجيا من مجرد مقر إداري بديل إلى عقدة لوجستية محتملة، يمكن من خلالها تمرير الدعم العسكري، وتأمين خطوط إمداد، وبناء موطئ قدم دائم على الضفة الغربية للبحر الأحمر".
هذا التحول لا ينفصل عن استراتيجية إيرانية أوسع تسعى إلى تطويق الممرات البحرية الحيوية عبر نقاط نفوذ مرنة تمتد من الخليج العربي إلى باب المندب، بما يمنح طهران قدرة أكبر على التأثير في حركة الملاحة الدولية وفرض معادلات ردع غير تقليدية.
وفي ظل هشاشة الدولة السودانية وتداخل القرار العسكري مع شبكات أيديولوجية، تبدو بورتسودان بيئة مثالية لهذا النوع من التمدد، حيث يمكن تحويل النفوذ التدريجي إلى حضور دائم يصعب تفكيكه لاحقا.
تصدير للنفوذ
ما جرى في إفطار 13 مارس ليس تفصيلا عارضا، إنما مؤشر على مسار يتشكل بسرعة.
وإذا استمر هذا التقارب، فإن السودان مرشح لأن يتحول من ساحة حرب داخلية إلى قاعدة متقدمة لنفوذ إيراني على البحر الأحمر، بما يحمله ذلك من تهديد مباشر لأمن الملاحة الدولية وتوازنات المنطقة.
ما يعني أن الصراع في السودان يتحول من شأن داخلي إلى جزء من إعادة تشكيل خرائط النفوذ في المنطقة، وفي ظل غياب كوابح حقيقية، فإن ما يحدث اليوم في بورتسودان قد لا يبقى داخل حدود السودان، بل مرشح لأن يتحول إلى منصة تصدير للنفوذ الإيراني تعيد رسم موازين القوة على مستوى الإقليم بأكمله.