أعلن الجيش الليبي تمكنه من تحرير جنوده الذين تعرضوا للاختطاف إثر الهجوم الذي استهدف منفذ التوم الحدودي الشهر الماضي، في عملية عسكرية دقيقة نفذتها "قوات النخبة" على الحدود الجنوبية مع النيجر، في الوقت الذي يمضي قدما في تعزيز إجراءاته لتأمين الحدود الجنوبية خاصة بعد التفاهمات الأخيرة مع تشاد لمكافحة الارهاب والهجرة غير الشرعية.

ويقول محللون في حديثهم لموقع "سكاي نيوز عربية"، إن العملية الأخيرة تعكس قدرة الجيش الليبي على التعامل مع الحوادث الطارئة خاصة مع تعزيز كفاءته القتالية والتسليحية مؤخرًا، لكنها تؤكد أيضا التحديات الكبيرة التي تواجه الأمن الحدودي في جنوب ليبيا، والمساعي الراهنة لضمان تأمينها ومواجهة أي تهديدات مستقبلية.

كان الجنوب الليبي قد عاد إلى واجهة التوترات الأمنية عقب الهجوم الذي استهداف معبر التوم الحدودي وعددًا من النقاط العسكرية في الشريط الجنوبي الغربي المحاذي لدولة النيجر، أواخر يناير.

ماذا قال الجيش الليبي؟

أوضح الجيش الليبي، أن "العملية التي جرى التخطيط لها بعناية فائقة، أسفرت عن تحرير جميع المختطفين وإعادتهم سالمين إلى وحداتهم، ما يعكس التزام الجيش بعدم التخلي عن أي من منتسبيه تحت أي ظرف"، معتبرًا أن "العملية عكست مستوى عالياً من الانضباط والاحترافية والجاهزية الميدانية".

جاءت العملية الأخيرة للجيش الليبي ضمن خطة أوسع لتعزيز السيطرة على الحدود الجنوبية، من خلال تعزيز نقاط التفتيش وتوسيع نطاق الدوريات العسكرية ومنع أي تحركات مشبوهة أو تهريب أسلحة عبر المناطق الصحراوية.

وأشار الجيش إلى "تنفيذ العملية بعد متابعة استخباراتية دقيقة ورصد ميداني مكثف لتحركات العناصر الإرهابية، حيث خاضت القوات المسلحة اشتباكات عنيفة في عدة مواقع تتمركز بها تلك الجماعات الإرهابية، أسفرت عن القضاء على عدد من الإرهابيين وأسر آخرين، كما صادرت كميات من الأسلحة والذخائر والمعدات العسكرية التي كانت بحوزة تلك العصابات".

ويُعد معبر التوم جزءًا من المنطقة المعروفة شعبيًا باسم مثلث السلفادور أو طريق الموت نظرًا لتداخله الحدودي مع عدة دول إفريقية تعاني الأزمات والانفلات، حيث تجتمع ليبيا مع النيجر بطول حدود يبلغ نحو 354 كم ومع تشاد جنوبًا بطول يقارب 1055 كم والحدود الغربية الجنوبية مع الجزائر بطول يُقدَّر بنحو 982 كم والحدود الجنوبية الشرقية مع دولة السودان بطول 380 كم.

وتأتي تلك التطورات بالتزامن مع تعزيز الأمن الحدودي، بعدما وقع الجيش الليبي بروتوكولًا عسكرياً مع تشاد ينظم التنسيق بين القوات على الحدود المشتركة، حيث تم وضع آليات دقيقة لتبادل المعلومات الاستخباراتية وتنسيق الحركة البرية والجوية، بهدف سد الثغرات الأمنية ومنع أي تحركات مسلحة أو تهريب عبر المناطق الحدودية الوعرة.

ويمثل هذا التنسيق الميداني امتداداً لهذه الخطوات السابقة، التي شملت زيارات رسمية واجتماعات عليا بين قيادات البلدين، لتعزيز السيطرة على المناطق الحدودية وتفعيل الدوريات المشتركة بما يضمن الاستقرار الأمني ويحد من نفوذ المجموعات المتمردة العابرة للحدود.

جنبا إلى جنب مع ذلك، قررت الحكومة التشادية إغلاق الحدود المشتركة مع السودان، في ظل استمرار الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023.

أخبار ذات صلة

من المشرق إلى الساحل.. كيف يعيد داعش تموضعه في إفريقيا؟
الساحل الأفريقي.. هل تتسارع كرة النار في قلب المنطقة؟

نشاط عسكري لضبط الحدود

بدوره، اعتبر المحلل السياسي الليبي، محمد الزبيدي، في تصريحات لموقع "سكاي نيوز عربية"، أن "العملية التي نفذتها القوات المسلحة الليبية تعكس قدرة عالية على ضبط الحدود والتعامل مع الجماعات الخارجة عن القانون، بعد أن تعرضت المنطقة الحدودية لمعبر "التوم" لهجوم قبل أيام أسفر عن مقتل وخطف عدد من العسكريين".

وأوضح الزبيدي أن "الجيش الليبي تعامل في مناطق وعرة تشمل جبالًا وأودية عميقة، وتمكن من تحرير الجنود المختطفين وضبط متورطين في الهجوم على معبر "التوم" وعدد من المنافذ الأخرى".

وأشار إلى أن "هذه العملية تمثل ضربة قاصمة للجماعات المتطرفة في الجنوب الليبي، والتي تسعى لزعزعة الأمن وإلحاق الضرر بالجيش الوطني، وأن نجاح العملية يظهر قدرة القوات المسلحة على تنفيذ عمليات نوعية داخل الأراضي الحدودية للدول المجاورة، والسيطرة على مناطق صعبة التضاريس، ما يعزز أمن الحدود ويحد من تحركات الجماعات المسلحة والمرتزقة العابرة للحدود".

وشدد على أن "الجيش الليبي يمضي في خطوات حثيثة لتعزيز قدراته على ضبط الحدود، من خلال تكثيف الدوريات البرية والجوية، وإحكام الرقابة على المعابر الاستراتيجية، وتفعيل التنسيق الاستخباراتي مع دول الجوار، بما يضمن منع تهريب الأسلحة وتحركات الجماعات المسلحة، ويعزز الاستقرار الأمني في الجنوب الليبي وحماية المدنيين والمنشآت الحيوية".

"وضع صعب"

ومن النيجر، قال الكاتب والباحث في العلاقات الدولية، إبراهيم جيرو، في حديث لموقع "سكاي نيوز عربية"، إن "الوضع على الحدود بين ليبيا والنيجر يظل مقلقًا، نظرًا لأنها تقع في قلب الصحراء الشاسعة وصعبة السيطرة، خصوصًا في ظل الأزمات الأمنية التي تواجهها بعض الدول الإفريقية".

وأوضح أن "هذه الظروف الصعبة توفر فرصة للجماعات المسلحة لتمرير أسلحتها ومعداتها بسهولة، مستغلة المنافذ الواسعة لتعزيز نفوذها، كما حدث تاريخيًا منذ 2011، عندما عبر مقاتلون من شمال مالي إلى ليبيا بأسلحتهم عبر هذه المناطق غير المحمية، وما زال الوضع مشابهًا اليوم".

ولفت إلى أن "الإجراءات المتخذة على الحدود التشادية مع السودان، مثل إغلاق بعض المعابر وتعزيز الحراسة والمراقبة الأمنية، تأتي في إطار محاربة الجماعات المتطرفة ومنعها من استغلال الثغرات الأمنية لشن عمليات تهدد الاستقرار"، مشيرًا إلى أهمية أن تتبنى الدول إجراءات مماثلة استباقية، على أن تكون مؤقتة وبما لا يؤثر سلبًا على حياة المدنيين، لضمان الأمن والاستقرار في المناطق الحدودية.