عاد اسم نوري المالكي إلى صدارة المشهد السياسي في العراق، وسط مزيج من رسائل التهدئة والتصعيد الضمني، في لحظة بالغة الحساسية داخليا وخارجيا.
ففي الوقت الذي أعلن به استعداده للالتزام بأي قرار يصدر عن الإطار التنسيقي بشأن سحب ترشيحه لرئاسة الحكومة، برزت في المقابل تحذيرات أميركية من تداعيات اقتصادية محتملة في حال عودة المالكي إلى المنصب، مما فتح الباب أمام سجال واسع حول حدود التأثير الخارجي، وموازين القوى داخل البيت السياسي العراقي، وانعكاسات ذلك على الاستقرار الاقتصادي والسيادي للبلاد.
الكاتب والباحث السياسي حيدر الموسوي وصف التصريحات المتداولة بأنها "مهمة وواقعية"، وتنسجم مع منطق الواقعية السياسية، مبديا تحفظه على تضخيم مفردة العقوبات.
وأوضح في حديث لـ"سكاي نيوز عربية"، أن التغريدة الأخيرة للرئيس الأميركي دونالد ترامب لم تتحدث صراحة عن فرض عقوبات، بقدر ما أشارت إلى احتمال وقف المساعدات، معتبرا أن ثمة فارقا جوهريا بين الأمرين، إذ إن العقوبات الاقتصادية، وفق رأيه، تحتاج إلى مسببات كبيرة، كما حدث في تسعينيات القرن الماضي عندما فرض الحصار بقرار من مجلس الأمن الدولي على خلفية غزو الكويت.
ورأى الموسوي أن رفع منسوب الحديث عن العقوبات أو التهديدات ينطوي على قدر من المبالغة، مع إقراره في الوقت نفسه بأن الولايات المتحدة تمتلك أوراق ضغط مؤثرة.
وأشار إلى أن العراق يتمتع باستثناء خاص فيما يتعلق بمبيعات النفط، حيث تصل الأموال نقدا عبر البنك الفدرالي الأميركي، الذي يشكل، وفق وصفه، حماية لأموال العراق، لا سيما من مطالبات الدائنين في مرحلة ما بعد النظام السابق.
السيادة في مواجهة الخارج
وفي تقييمه للمشهد الداخلي، اعتبر الموسوي أن غالبية القوى السياسية، بل وحتى الرأي العام، تجد صعوبة في تقبل فكرة رفض دولي لمرشح معين لتولي مناصب سيادية، سواء رئاسة الحكومة أو الجمهورية أو البرلمان أو الوزارات الأخرى، مؤكدا أن هذه الصورة لا تتكرر في تجارب دول العالم، رغم توصيف الولايات المتحدة شريكا استراتيجيا للعراق.
وأضاف أن المالكي يعد من أكثر الشخصيات التي تعاملت مع الجانب الأميركي طوال 8 سنوات، وأن العلاقات في تلك المرحلة كانت "ممتازة"، ما يدعم، حسب رأيه، استبعاد وجود أزمة حادة في هذا الملف حتى اللحظة الراهنة.
كما شدد على أن المالكي ما زال مرشح الأغلبية داخل الإطار التنسيقي، نافيا دقة الحديث عن رفض واسع داخل القوى الشيعية، وموضحا أن الاعتراض يقتصر على شخصيتين فقط، وأن الخلافات كانت قائمة قبل التغريدات الأميركية الأخيرة.
ورقة ضغط
وبحسب الموسوي، فإن المالكي أعلن صراحة استعداده للانسحاب من الترشيح إذا ثبت أن وجوده سيؤدي إلى ضرر اقتصادي للعراق، أو إلى تلاعب بالورقة الاقتصادية من قبل إدارة ترامب، معتبرا أن مصلحة البلاد والناس تتقدم على أي اعتبارات شخصية.
لكنه في المقابل رأى أنه لا يمكن التعويل على تغريدة واحدة، مشيرا إلى أن ترامب لا يعرف المالكي شخصيا، وأن علاقاته كانت مع إدارات أميركية سابقة، واستشهد في هذا السياق بتغريدة السفير الأميركي السابق زلماي خليل زاد التي وصفت المالكي بالشخص القوي والجيد، إضافة إلى آراء أميركية أخرى ذهبت في الاتجاه ذاته.
كما أوضح أن رسائل معينة وصلت إلى الرئيس الأميركي عبر أطراف داخلية أو مبعوثين لم يصلوا إلى العراق، مؤكدا أنه لو كانت واشنطن تسعى فعلا إلى تحقيق هدفها المعلن بحصر السلاح بيد الدولة، فإن وصول المالكي إلى رئاسة الحكومة، وفق تقديره، قد يخدم هذا التوجه، لاعتباره الشخص القادر على احتواء الجماعات المسلحة ونزع سلاحها بطرق مختلفة.
وشدد الموسوي على أن فكرة القبول أو الرفض الخارجي لترشيح أي شخصية تمس القرار الوطني العراقي، وتفتح الباب لتدخلات أوسع من أطراف أخرى، ما قد يقود مستقبلا إلى استشارة قوى إقليمية أو دولية في كل دورة سياسية حول المناصب العليا، وهو ما وصفه بمعادلة "مغلوطة" تتعارض مع التجربة الديمقراطية والإرادة الشعبية التي تجسدت بنسبة مشاركة بلغت 56 بالمئة في الانتخابات.
وفيما يتعلق بالحديث عن موقف إيراني داعم لترشيح المالكي، نفى الموسوي وجود أي مصدر يؤكد ذلك، واعتبره من نسج الخيال أو محاولات للتسويق السياسي، مؤكدا أن طهران لم تتدخل في هذا الملف، وأن المالكي، في جميع الأحوال، سيتعامل مع ترامب وفق السياسة التي يعتمدها الأخير مع مختلف الأطراف.