في ظل تعثّر البرلمان العراقي للمرة الثانية في انتخاب رئيس للجمهورية بسبب عدم اكتمال النصاب، وتصاعد الخلافات بين القوى الكردستانية بشأن مرشح توافقي، تتجه الأنظار إلى أربيل حيث يُرتقب أن يجري وفد رفيع من "الإطار التنسيقي" مباحثات مع رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني.
هذه التطورات، التي تأتي على وقع منافسة 19 شخصية على المنصب، أبرزهم فؤاد حسين عن الحزب الديمقراطي الكردستاني ونزار أميدي عن الاتحاد الوطني الكردستاني، تضع الاستحقاق الرئاسي في قلب معادلة الاستقرار السياسي والتزام المواعيد الدستورية.
وفي هذا السياق، قدّم الكاتب والباحث السياسي كفاح محمود كريم، خلال حديثه إلى "غرفة الأخبار" على "سكاي نيوز عربية"، قراءة تفصيلية لمسار الأزمة ومحددات حلّها.
الانقسام الكردي
يرى كريم أن الإشكال الأساسي لا يكمن في المكونات السنية أو الشيعية، إذ يشير إلى نجاح السنة في التوافق على محمد الحلبوسي، كما يلفت إلى أن "الإطار التنسيقي" توصّل بدوره إلى تفاهمات رغم وجود معارضة داخلية، بما فيها اعتراضات على نوري المالكي.
ويؤكد أن العقدة تتمثل في إقليم كردستان العراق، حيث يصرّ الاتحاد الوطني الكردستاني على أن يكون منصب رئاسة الجمهورية من حصته.
ويستعيد كريم ما وصفه بـ"العُرف السياسي"، الذي نشأ بعد عام 2003، والقائم على توزيع الرئاسات الثلاث بين المكونات الأساسية، موضحاً أنه توافق غير منصوص عليه دستورياً، كما يذكّر بالاتفاق السابق بين الرئيس الراحل جلال طالباني ومسعود بارزاني، والذي انتهى بعد وفاة طالباني وقرار بارزاني عدم تجديد رئاسته أو خوض انتخابات جديدة، ما أنهى الحاجة إلى ذلك التفاهم داخل الإقليم.
خارطة الطريق المقترحة
بحسب كريم، دعا الحزب الديمقراطي الكردستاني، بوصفه الحزب الأكبر في الإقليم، إلى فتح باب الترشيح أمام الأحزاب والمستقلين.
وينقل عن بارزاني طرحه "خارطة طريق" تقوم على تقديم عدة مرشحين إلى البرلمان، وفي حال فشل البرلمان تُحال المسألة إلى الأحزاب، ثم إلى ممثلي الشعب في بغداد إذا استمر التعثر.
إلا أن هذه الخيارات الثلاثة قوبلت بالرفض، مع إصرار الاتحاد الوطني على مرشح واحد هو نزار أميدي، ما دفع الديمقراطي الكردستاني إلى ترشيح فؤاد حسين.
ويخلص كريم إلى أن التوافق لا يزال غائباً حتى اللحظة، مشدداً على الترابط الدستوري بين منصبي رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، إذ لا يمكن تكليف الكتلة الأكبر بتشكيل الحكومة من دون انتخاب الرئيس.
دور الإطار والتحركات الأميركية
تحدث كريم عن اجتماع "الإطار التنسيقي" الأخير، وعن تشكيل وفد رفيع المستوى للتوجّه إلى أربيل ولقاء بارزاني، متوقعاً أن يحمل الوفد "خارطة طريق" أو "مجموعة مقترحات" قد تتخذ شكل تسويات أو تبادل مواقع وصفقات سياسية، مؤكداً أنه في العمل السياسي لا مكان للغضب بقدر ما تحكمه المصالح المتبادلة.
ويشير كريم خلال حديثه إلى غرفة الأخبار إلى أن القائم بأعمال السفارة الأميركية في بغداد سبق وفد "الإطار" إلى مقر بارزاني في بيرمام، حيث نوقشت ملفات متعددة، معتبراً أن لدى بارزاني صورة متكاملة عن المشهد.
ويذهب إلى أن "الإطار" قد يكون حصل خلال الساعات أو الأيام الأخيرة على "ضوء أخضر" من جهات مؤثرة في البيت الأبيض بوعود تسمح بتمرير ملف نوري المالكي، مع تأكيده في الوقت نفسه أن الولايات المتحدة لم تغيّر موقفها رسمياً حتى الآن.
ويتحفظ كريم على فكرة أن واشنطن قد تغضب من طرف بعينه، موضحاً أن العلاقات تحكمها المصالح الاستراتيجية المتبادلة، ليس مع كردستان العراق فقط بل مع الإطار أيضاً، مضيفاً أن هذه المصالح قد تكون أكبر مع طهران، ما يفسر صبر واشنطن وسعيها إلى ما وصفه بـ"تداخل جراحي" لتخفيف الضغوط وحل الإشكالات.
مسار التنافس الديمقراطي
يستعرض كريم التجربة الديمقراطية في إقليم كردستان العراق، معتبراً أنها أقدم من التجربة العراقية بعد 2003، إذ بدأت منذ انتخابات برلمان الإقليم عام 1992.
ويقرّ بمرحلة الاقتتال الداخلي بين الحزبين الرئيسيين خلال تسعينيات القرن الماضي، وما خلّفته من ضحايا، لكنه يؤكد أن القوى السياسية أدركت بعد 1997 أن الصراع الدموي لا يخدم الأهداف العليا، فآثرت اللجوء إلى الانتخابات.
ومن هذا المنطلق، يصف كريم ما يجري اليوم بأنه "عمل طبيعي" و"ممارسة ديمقراطية"، متوقعاً أن يتقدم مرشحان، أحدهما عن الديمقراطي والآخر عن الاتحاد، لتصبح "الكرة في ملعب الإطار والمجلس السني"، لأن الحزبين الكرديين لا يمتلكان وحدهما الأصوات الكافية، ويحتاجان إلى دعم "الإطار" والمستقلين والمكوّن السني.
ضغط المهل الدستورية
ويؤكد كريم في ختام حديثه أن زيارة وفد "الإطار" قد تسرّع عملية انتخاب رئيس الجمهورية، تمهيداً للانتقال إلى تكليف رئيس الوزراء، محذّراً من تجاوز التوقيتات الدستورية.
وفي ظل هذه المعادلات المتشابكة، تبقى مباحثات أربيل محطة مفصلية في اختبار قدرة القوى السياسية على تحويل الخلافات إلى تسويات تُخرج الاستحقاق الرئاسي من دائرة التعطيل، وفق ما عرضه كريم حصراً في قراءته للمشهد.