يجسّد الدمار الواسع الذي لحق بغابة السنط على الضفة الشرقية من النيل الأبيض في العاصمة السودانية الخرطوم حجم التداعيات البيئية الكارثية للحرب المستمرة في البلاد منذ منتصف أبريل 2023.

وأثارت صور ومقاطع فيديو نشرها نشطاء بيئيون قلقا كبيرا، حيث بدت فيها تلك الغابة، التي كانت الحزام الأخضر الوحيد المتبقي بالعاصمة، جرداء وشبه خالية من الأشجار، ولم يتبقَّ فيها سوى بقايا كتل خشبية يابسة معدّة للترحيل.

وتمتد غابة السنط على مساحة 1500 هكتار، وتضم أنواعًا عديدة من الأشجار والنباتات، لكن نظرًا لأنها تتكوّن في معظمها من أشجار السنط فقد سُمّيت بغابة السنط.

وكانت الغابة تُعد منتجعا طبيعيا لسكان الخرطوم وزوارها، إذ تشكّل حلقة من حلقات التوازن البيئي في المنطقة، وتساعد في تلطيف الجو وامتصاص العديد من الغازات والسموم التي تفرزها المركبات والمصانع في الجو.

وتقع الغابة ضمن المناطق الرطبة المحمية وفقًا لاتفاقية "رامسار" للطيور المهاجرة، حيث كانت تشكّل محطة مهمة لتزويد تلك الطيور بالطعام والراحة لمواصلة رحلتها السنوية ذهابا وإيابا، باعتبار أن وادي النيل أطول مسار عالميًا للطيور المهاجرة.

أضرار بيئية وصحية

تسببت الحرب في كارثة بيئية وإنسانية مزدوجة، وتدهورٍ في النظم البيئية. وغذّى الصراع أنشطة الاستخراج غير المنظّم للموارد الطبيعية، وزيادة إزالة الغابات، وكان آخرها غابة السنط.

وتنبّه حنان مدثر، مستشارة أنظمة البيئة والتنمية، إلى الأضرار الكارثية التي يمكن أن تنجم عن الدمار الذي تعرّضت له غابة السنط في الخرطوم، وتقول لموقع "سكاي نيوز عربية": "كانت هذه الغابة بمثابة مصدّ بيئي طبيعي ومتنفّس غابي وحيد للعاصمة بعد زوال الحزام الأخضر في جنوبها، كما كانت وجهة موسمية مهمة لهجرة الطيور العابرة للقارات من أوروبا وأفريقيا".

وتلخّص مدثر التأثيرات البيئية التي قد تحدث بسبب فقدان هذه الغابة في التغيرات المناخية وزيادة أضرار الانبعاثات الكربونية، حيث كانت الغابة تمتص جزءًا كبيرًا من الانبعاثات الضارة.

وتحذّر مدثر من التداعيات الخطيرة للدمار الذي لحق بالغابات في مختلف أنحاء السودان بسبب الحرب الحالية، مشيرة إلى تعرّض نسبة كبيرة من الأشجار للقطع الجائر لاستخدامها في الطهي أو بيعها.

وبسبب الدمار الكبير الذي لحق بالغابة، خسرت كليات الزراعة والعلوم في الجامعات السودانية موقعًا مهمًا للتدريب الميداني، نظرًا لأن تلك الغابة كانت تضم أنواعًا متعددة من الأشجار ومئات الكائنات الحية.

ومن المنظور الصحي، يشير خبير الصحة العامة عبد الماجد مردس إلى أن غابة السنط كانت بمثابة وعاء صحي وقائي طبيعي لمدينة الخرطوم، بما تؤديه من أدوار محورية في تحسين جودة الهواء، والحد من الإجهاد الحراري، ودعم الصحة النفسية، وحماية التنوع البيولوجي، وتعزيز قدرة المدينة على الصمود في مواجهة الأزمات البيئية والمناخية.

أخبار ذات صلة

لحل أزمة السودان.. رؤية جديدة تعتمد على قيادات المجتمع
إحصاء مرعب بشأن الضحايا الأطفال في نزاع السودان

خسارة كبيرة

اعتبر خبير الغابات طلعت دفع الله أن الدمار الذي لحق بالغابة يُعد خسارة كبيرة للمنظومة الخضراء والوضع البيئي في العاصمة.

ويقول دفع الله: "يروي دمار غابة السنط مأساة المشاريع البيئية العظيمة التي تصطدم بالفوضى السياسية والحروب".

ويضيف: "تكمن أهمية غابة السنط في اختيارها من قبل المرفق العالمي للبيئة، الذي دعم المشاريع البيئية الحساسة حول العالم، كمحور لمشروع تعمير شامل للغابات النيلية".

وتُعد غابة السنط من أعرق وأكبر المحميات الطبيعية داخل العاصمة الخرطوم، وقد تم ضمّها عام 1939 إلى منظومة المحميات الطبيعية. وهي عبارة عن نطاق تقليدي حيوي وطبيعي تتكوّن معظم أشجاره من السنط، الذي يتميّز بمقاومته العالية لمياه الفيضانات التي عادة ما تغمر الغابة في فصل الخريف.

وتُعد الغابة مأوى للعديد من الطيور المستوطنة والمهاجرة، مثل الإوز، وطير البقر، وخطّاف البحر، وأبو منجل، والبط، والنورس النهري، ومالك الحزين، ويعد معظمها من الطيور النادرة، بالإضافة إلى العديد من العصافير والطيور المستوطنة في مناطق السافانا الفقيرة.

كما تحتضن الغابة عددا من الزواحف والحشرات والحيوانات البرية الصغيرة التي تُثري في مجملها الحياة الطبيعية وتزيدها حيوية داخل الغابة.

وكانت الغابة تكتسب أهمية تعليمية كبيرة، إذ أُنشئت بها مدرسة خبراء الغابات عام 1946 لتدريب كوادر الغابات من الخبراء والملاحظين على تقنيات وإدارة وزراعة الغابات، وخرّجت المدرسة الرعيل الأول من فنّي الغابات الذين كان لهم دور كبير في زراعة الغابات في مختلف مناطق السودان.